الأحزاب الوسطية التونسية أمام فرصة استثمار أزمات النهضة

أربعة أحزاب تونسية تدعو لعقد مؤتمر وطني للحوار، ومتابعون يتوقعون ولادة حزب جديد هدفه لم شتات العائلة الوسطية وتوحيد صفوفها من جديد.
الخميس 2020/06/04
تعديل البوصلة ممكن

أطلقت أربعة أحزاب تونسية تنتمي إلى العائلة الوسطية مبادرة سياسية لتوحيد المواقف قد تمهّد لولادة حزب جديد يجمع شتات هذه القوى ويوحد صفوفها في مواجهة هيمنة حركة النهضة الإسلامية على المشهد السياسي، فيما يشير مراقبون إلى ضرورة أن تتجاوز هذه الأحزاب الصراع على الزعامة حتى يتسنى لها النجاح في مساعيها، خاصة وأن عدة مبادرات في هذا الاتجاه باءت بالفشل نتيجة الحسابات الشخصية.

تونس – دعت أربعة أحزاب، وهي “الحركة الديمقراطية” و”الأمل” و”مشروع تونس” و”بني وطني”، إلى العمل على عقد “مؤتمر وطني للحوار” في أقرب وقت، بغاية الإنقاذ السّياسي والاقتصادي للحفاظ على استقرار البلاد ومكتسباتها السّياسية وتحصين المجتمع بالمزيد من التماسك والتضامن.

وأكدت الأحزاب في بيان مشترك الثلاثاء، على ضرورة أن تشارك في هذا المؤتمر القوى السياسية الوطنية والمجتمع المدني وفي مقدمتها المنظمات الاجتماعية الكبرى، الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة أرباب العمل).

ويرى مراقبون في هذه الدعوة تمهيدا لعودة هذه القوى بقوة للمشهد السياسي في محاولة لتدارك هزائمها الانتخابية الأخيرة واسترجاع ثقة قاعدتها الشعبية المتآكلة، مشيرين إلى أن الأهم بالنسبة لهذه الأحزاب استغلال الفراغ السياسي الناجم عن احتدام الصراع حول الصلاحيات بين رئاسة الجمهورية والبرلمان وتخبط الأحزاب الحاكمة في أزمة حادة، لإعادة التسويق كون هذا التيار هو الخيار الأنسب والقادر على تلبية طموحات الشارع.

وتتوقع أوساط سياسية أن تثمر دعوة الأحزاب الأربعة لعقد حوار وطني، عن ولادة حزب جديد هدفه لم شتات العائلة الوسطية وتوحيد صفوفها من جديد.

وحسب تقارير إعلامية محلية، يقود المعارض السياسي أحمد نجيب الشابي جهود تشكيل حزب وسطي كبير ستكون له القدرة على إحداث توازن بالمشهد السياسي الذي غرق في الصراعات الأيديولوجية بعد تصاعد وتيرة الخلافات بين حزب النهضة (إسلامي) وحزب الدستوري الحر المتزعم للمعارضة (ليبرالي).

وردا على هذه التوقعات، أوضح الشابي لـ”العرب” أن “النقاشات الدائرة حاليا تقتصر على إطلاق مبادرة مشتركة وعقد مؤتمر وطني للحوار للتشاور بشأن خطورة الأوضاع الحالية وأن تعمل القوى الوسطية على تحقيق هذه الأهداف”.

وتابع “حاليا لا توجد فكرة لتأسيس حزب جديد وتوحيد العائلة الوسطية، قد تثمر أشياء أخرى في المستقبل، لكن حاليا الفكرة غير واردة، وما وقع الاتفاق بشأنه هو المشاركة في حوار وطني”.

وأعرب عن أمله في استفاقة ونهوض التيار الوسطي من جديد، غير أن “المسألة ليست بالتمني بل بالإمكانيات العملية”.

نجيب الشابي: ضعف القوى الوسطية ناجم عن غياب القيادة القادرة على توحيدها
نجيب الشابي: ضعف القوى الوسطية ناجم عن غياب القيادة القادرة على توحيدها

وحسب الشابي” يشكل تيار الوسط غالبية الشعب التونسي، وهو ما ظهر في انتخابات 2014 وكذلك 2019 مقارنة بالإسلام السياسي الذي يمثل عشرة في المئة من المسجلين بالقوائم الانتخابية، ومنذ الانتخابات 2019 يحظى هذا التيار بأدنى شعبية، غير أن قوته متأتية من كونه منظما ومتماسكا”.

ويؤكد متابعون أن تراجع شعبية حركة النهضة الإسلامية (الحزب الحاكم) إضافة إلى الصعوبات التي تعاني منها الحكومة برئاسة إلياس الفخفاخ نتيجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والمتاعب التي تعمقت مع أزمة وباء كورونا المستجد فرصة تخدم حظوظ الأحزاب الوسطية لهيكلة نفسها والانطلاق من جديد.

وتلقت العائلة الوسطية في الانتخابات التشريعية الفارطة ضربة قاصمة بعد خروج ممثليها من الرئاسية بنتائج ضعيفة، ونجاح الرئيس قيس سعيد وهو من خارج دائرة الحكم التقليدية في اقتلاع الفوز وإحداث رجة بالمشهد السياسي.

ويجمع المتابعون على أن تشتت هذا التيار وعدم التفافه على شخصية بعينها قاد إلى قلب معادلة الحكم في تونس لصالح الرئيس سعيد وثم لحركة النهضة.

ويعزو الشابي ضعف قوى الوسطية وتشتتها لغياب قيادة قادرة على توحيدها، ويضيف “الوسط التونسي مشتت غير متماسك وليست له قيادة وأزمته جزء من أزمة البلاد”.

وعن إمكانية أن يجمع الوسط قواه من جديد وعن حركية تعيده شيئا فشيئا أشار الشابي إلى أن الأيام القادمة ستوضح ذلك.

وفي معرض رده عن مساعي استثمار العائلة الوسطية لضعف وتخبط حركة النهضة حاليا أكد الشابي أنه “يجب أن تتواجد هذه القوى قبل كل شيء، حيث لا توجد قوى وسطية فاعلة حاليا”.

ويستنتج أن الفراغ السياسي الناجم عن حالة الصراع قد تقود إلى فوضى، وهو سبب إضافي حتى تشعر القوى الوسطية بمسؤوليتها في هذا الظرف وتعمل على تجاوز ما فرق بينها.

ويتوجس مراقبون من عدم قدرة العائلة الوسطية في حال تجميع صفوفها من جديد على النجاح، مستحضرين مبادرات سابقة انتهت بالفشل نتيجة الخلافات على الزعامة وضبابية برنامج وعدم تقديم بدائل حقيقية للشارع.

وقال عصام الشابي أمين عام الحزب الجمهوري، وهو أحد أبرز الأحزاب المنتمية إلى العائلة الوسطية في تونس لـ”العرب” إن حزبه “لن يشارك في هذه المشاورات ولن يستجيب لها لأنها لا تطرح المسألة في العمق”.

وعلى رغم إقراره بأن المشهد السياسي يعاني فراغا على مستوى القوى الوسطية، إلا أن الشابي لا يرى أن مجرد تجميع بعض مكوناته كفيل بتجاوز أزمة الأحزاب الوسطية الاجتماعية في تونس.

ويرى أنها تمر بأزمة حقيقة “فهي أخفقت بعد الثورة في اقتلاع مكانها في مؤسسات الدولة التمثيلية، كما سبق لعمليات تجميع هذه العائلة أن باءت بالفشل”.

وكانت جلّ الأحزاب الممثلة في البرلمان، والتي تقدم نفسها كأحزاب الطيف “الوسطي والتقدمي والليبرالي” قد خسرت السباق الرئاسي، وجاءت نتائج بعض مرشحيها في الدور الأول محبطة ولم تتجاوز في بعض الحالات نسبة واحد في المئة من مجموع الأصوات. كما لم تحقق النتائج المرجوة في السباق التشريعي.

واعتبر الشابي أن تجديد محاولة تجميع العائلة الوسطية هي محاولة محكومة بالفشل، لا فتا إلى أن المطلوب حاليا هو إعادة صياغة المشروع الديمقراطي الاجتماعي وتقديم رؤية تخلصها من أسباب فشلها. وأكد أن “ملء هذا الفراغ لن يكون بإعادة تجارب فاشلة سابقة”.

وتعددت المبادرات لتجميع العائلة الوسطية منذ اندلاع ثورة يناير في مواجهة نفوذ الأحزاب الإسلامية غير أن محاولات التجميع باءت بالفشل، بسبب تباينات في الرؤى بين قياداتها قادها في ما بعد للانشقاق والتصدع.

4