الأحكام الاجتماعية على الشبان تركز على المظهر ولا تقبل الاختلاف

عسر التوفيق بين ميولات الشباب وتصورات المحيط الاجتماعي، والحكم على الشكل ظالم ويحول دون الاندماج في المجتمع.
الاثنين 2019/02/11
تشتت بين القديم والمعاصر
 

يصنف البعض الشباب بحسب مظهرهم فيوصف بعضهم بأنهم عصريون و”مودرن”، فيما ينظر إلى غيرهم بأنهم كلاسيكيون ولا يواكبون موضة عصرهم، أحكام شمولية قد تعيق اندماج الشاب أو المراهق في محيطه الاجتماعي وقد تعتمد أحيانا كسبب لرفض طلبه للارتباط. ومن جانب آخر يقول الكبار إن شباب اليوم لا يهتمون سوى بالمظهر وأنهم يقلدون الغرب ويواكبون الموضة بلا وعي، ودون انتقاء لما يناسب بيئاتهم الاجتماعية والثقافية.

القاهرة – يحتار العديد من الشبان في التوفيق بين رغباتهم وميولهم الشخصية في اختيار الشكل الذي يرونه مناسبا لهم، وبين ما تزدريه أسرهم ومحيطهم الاجتماعي من ملابس مقطعة مثلا وقصّات شعر غير معتادة إلى غير ذلك. بعض الشباب يختارون المظهر الذي يريدون دون مراعاة نظرة وأحكام الآخرين، والبعض الآخر يحاولون الجمع بين مواكبة عصرهم والموضة التي تناسب أعمارهم، محاولين دفع الاتهام بأنهم مقلدون عمي للغرب.

ويرفض وليد عبدالغني (28 سنة) فنان تشكيلي، وصف الشباب بهذه الطريقة ويعتقد أنه لا يوجد شيء اسمه “شاب مودرن” وآخر “دقة قديمة”. ويشرح رأيه قائلا “هناك من يرتدي الجينز مثلا بشكل عادي ويبدو للآخرين اختيارا سليما، وآخر يرتديه مواكبا الموضة مثل الجينز المقطع أو النازل عن وسط الجسم ما يجعله مثيرا للانتباه والغيظ أحيانا؛ ونرى اليوم شبابًا يمزقون بنطلوناتهم الجينز عن عمد ويضعون رقعا على المناطق الممزقة؛ وآخرين يكتبون ويرسمون أشياء غريبة على البنطلونات والقمصان أو التي شورت” ويتساءل عبدالغني فهل هؤلاء شباب مودرن؟ وهل من يرتدي الجينز بشكل عادي ودون رقع أو تدوينات غريبة، يعتبر شابا معقدا نفسيًّا؟

ويرى جورج رشاد (26 سنة) مخرج تليفزيوني، أن عبارة شاب عصري أكثر دقة من عبارة شاب مودرن؛ لأن الأخير ينطبق فقط على الشكل الخارجي للشاب، كأن يرتدي أزياء تواكب الموضة.. أما الشاب العصري، فهو الذي يملك مقومات وقدرات تدفعه بثقة نحو المستقبل من معرفة وتعلم وثقافة، ويقول رشاد “هذا هو التصنيف الذي يمكن أن نفرق على أساسه بين شاب عصري وآخر لا يملك مقومات عصره، ويبدو لي هذا التصنيف قديما وتجاوزه العصر”. ويعتبر المخرج الشاب أن تصنيف الشباب حسب أشكالهم وملابسهم والأغاني التي يسمعونها، فيه ظلم لكثيرين منهم، موضحا “أنا مثلا تخرّجت من كلية الإعلام ودرست الكمبيوتر وأعرف عدة لغات وأجيد العزف على عديد الآلات الموسيقية وسافرت إلى دول أجنبية كثيرة، ولكني أحب سماع الأغاني القديمة لأم كلثوم وعبدالحليم حافظ، ونادرًا ما أسمع المطربين الجدد. كما أنني أفضل الملابس الكلاسيكية عن الجينز، فهل أنا بهذا الشكل معقد وقديم؟”.

أحكام المجتمع غالبا ما تكون شكلية، فالمجتمع يحكم عليك من شكلك ثم يضعك في تصنيف محدد

ومن وجهة نظر أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر محمد جلال الدين، فإن أحكام المجتمع غالبا ما تكون شكلية، ما يجعلها غير صحيحة في معظم الأحيان. ويوضح “المجتمع يحكم عليك من شكلك وأزيائك وهواياتك وكلامك، ثم يضعك في تصنيف محدد، ولكل تصنيف انطباعات مسبقة في أذهان الناس، فمثلا، بمجرد أن تقول عن شاب إنه “دقة قديمة” يتوارد إلى ذهنك أنه لا يجيد التعامل مع الآخرين وأن أفكاره جامدة ولا يرتدي ملابس على الموضة وغيرها من الانطباعات الجاهزة مسبقا، وعندما تقول عن شاب آخر أنه موردن يتبادر إلى ذهنك أنه ذكي في تعامله مع الآخرين وأنه أنيق وربما ديمقراطي”.

وفي النهاية يظل الحكم على المظهر غير صائب دائما والتصنيفات على أساسه تخطئ في أغلب الأحيان، بحسب جلال الدين، وبعيدًا عن التصنيفات الشكلية، فالشاب الكلاسيكي هو غالبا يعاني من الخوف من كل جديد لا يعرفه ويرفض التعامل معه، والمجتمع يظلم هذه الفئة من الشباب التي غالبا ما تكون من المحافظات الداخلية أو الأرياف، ويعتبر أنهم بمحافظتهم على القديم في اللباس ونمط العيش تخلفوا عن ركب التكنولوجيا المتقدمة، دون النظر في تكوينهم ومؤهلاتهم وقدراتهم ما يخلق صعوبات لديهم في الاندماج مع الجميع، وقد يبقون في مجموعات صغيرة ومختلفة حتى في بيئات العمل والمدارس وغيرها.

ويقول محمد عبدالرحمن (22 سنة) طالب جامعي “يوجد نوع من المغالطة وعدم الفهم بالنسبة إلى صفة ‘الدقة القديمة’ مثلا، فالبعض يرى أن الشاب من هذه النوعية هو الذي يتمسك بالتقاليد والأعراف، ولكن في رأيي هذا ينطبق أكثر على الشاب صاحب الأفكار السلبية والذي ما زال يعتقد -على سبيل المثال- أنه من الضروري أن تتزوج الابنة الكبرى قبل الصغرى، أما الذي يتمسك بالعادات والتقاليد، فهو شاب أصيل”.

الحكم على المظهر غير صائب دائما
الحكم على المظهر غير صائب دائما

وبالنسبة إلى هند عامر (19 سنة) طالبة جامعية، فتقول “أرفع شعار خير الأمور الوسط؛ فلا يمكنني -مثلا- أن أعجب بشاب ومتزمت ولا بآخر مودرن بشكل زائد عن اللزوم، والأفضل أن يكون الشاب متمسكًا بعاداته وتقاليده وفي الوقت نفسه متفتحا وواعيا”. وتضيف، “أنا تعلمت لأعمل، لا لأعلّق الشهادة على الحائط ولا أقبل الزواج من شاب يرفض نزولي إلى ميدان العمل ولا يجعلني أشعر بأنه قادر على تحمل مسؤوليات البيت والأسرة، ولذلك أرى أن خير الأمور الوسط”.

ويعتبر أستاذ الدراسات الاجتماعية شريف حمدي، أن مجتمعاتنا العربية تعاني من غزو فكري سيطر على كل تفاصيل الحياة، فبدلا من تقييم الشاب على أساس طريقة تفكيره أو أخلاقه، فنحن نرى أن تقييم الشاب يقف عند المظاهر التي تتمثل في شكل معيّن للملابس أو طريقة تصفيف شعر محددة، قد يسهو كثيرون عن قيمة الأخلاق وأسلوب العيش والسلوك الإنساني والمشاركة مع الآخرين.

ويوضح “كنت أفضل أن يُسأل الشاب عن ثقافته لا عن أنه مودرن أم لا، فهذه الصفة في الحقيقة هي الإطلاع على أحدث النظريات وتطبيقها في الحياة دون التمسك بالقديم من غير ذي جدوى، بل وجب أن نطور أفكارنا وأسلوب تفكيرنا، ولكن كلمة مودرن تعني لدى الشاب الآن بنطلون جينز مختلفا وممزقا على الساق وقميصا أو تي شيرت جديدا مزينا بحروف أو كلمات قد لا يفهمها أحد”.

21