الأحمدية وتسييس التَّديُّن في الجزائر

الخميس 2017/04/27

تَتَخَبَّط السلطات الجزائرية في نظرتها إلى الدين بين موقفين؛ موقف شعبي يجمع بين الاختيار العقائدي والهوية من حيث إن الدين انتماء سابق عن الوطن أو العرق أو اللون، ولا جدوى من أي نقاش حول الاختيار المذهبي المالكي، وهذا الموقف عام ضاغط ومؤثر، ولا يمكن للحكومة أو حتى للأجهزة الأمنية والعسكرية تجاوزه.

والثاني حكومي يحاول التوفيق بين التمسك الشعبي بالدين وبين الاستجابة للشروط الدولية، انطلاقاً من تصور يتولَّى الدفاع عن الدين من منظور دبلوماسي، ويبدو أن الموقفين سيصلان في النهاية إلى تصادم، ما لم تتراجع الحكومة عن أطروحاتها الراهنة، والقائمة على فكرة التعايش مع العالم الخارجي، حتى لو كان ذلك على حساب الداخل، خاصة بعد التصريحات الصادرة عن مسؤولين وقادة أحزاب وبعض عناصر النخبة.

ويأتي الحديث حول هذا الموضوع لأمرين، الأول: أن الجزائر شهدت في الأشهر الماضية حملةَ واسعةَ من الأجهزة الأمنية مدعومة بوسائل الإعلام من جهة، وبخطاب ديني رافض للطائفة الأحمدية من أئمة مساجد رسميين من جهة ثانية، وبرأي عام رافض لأي تصور للدين خارج المذهب المالكي من جهة ثالثة. وشكل هذا نوعا من الحملة الوطنية للدفاع عن إيمان الشعب واختيار الدولة.

والأمر الثاني تراجع الحكومة ضمن خطاب تبريري عن مواقفها من الأحمدية، وهو ما جاء في محاضرة محمد عيسى وزير الشؤون الدينية، ألقاها الثلاثاء الماضي 25 أبريل الجاري بمقر وزارة الشؤون الخارجية في الجزائر العاصمة حول “حرية المعتقد في الجزائر: بين التشدد الديني والانحراف المذهبي”.

في تلك المحاضرة أكد محمد عيسى أن “الدولة الجزائرية ليست لها نيَّة محاربة أتباع الطائفة الأحمدية”، مشيرا إلى أن “التهم الموجهة إليهم لا تخص ممارسة شعائرهم الدينية بل الانخراط في جمعية غير معتمدة وجمع التبرعات دون رخصة”، وهذا كلام مردود عليه لأن وزارة الشؤون الدينية وعبر تصريحات سابقة للوزير نفسه شنت هجوما على أتباع الأحمدية، ناهيك عن توجيه حملة ضدها مصحوبة بإقصاء ورفض مطلق لها لا لأنها مختلفة عن مذهب الأغلبية، وإنما لأنها طائفة ليست مسلمة في نظر الذين هاجموها، وقد عقدت عدة مؤتمرات ركزت على ذلك ومنها المؤتمر الدولي في تمنراست حول “الأمن الديني” في 25 فبراير الماضي.

من ناحية أخرى، فإن اختصار محمد عيسى مشكلة الأحمدية في عدم الحصول على اعتماد من السلطات وليست في ممارسة الشعائر، يعدّ أمرا مُتَّفِقاً في ظاهره مع الدستور، الذي ينص على حرية المعتقد، لكنه في الواقع كلام خطير وغير مؤسس اجتماعيا، إذ لم يظهر في الجزائر منذ استقلالها إلى الآن، تنظيم ديني أو جماعة خارج المذهب المالكي، فما بالك بجماعة حديثة العهد لجهة ظهورها ومرفوضة في المطلق من غالبية الشعب الجزائري.

هنا تُطْرح جملة من التساؤلات: هل إذا تقدَّم أتباع الطائفة الأحمدية بطلب الاعتماد تتم الموافقة عليه على خلفية قول الوزير “التهم الموجهة إليهم لم تكن بسبب ممارسة شعائرهم الدينية التي يضمنها الدستور”؟ وإلى من سيتوجهون بطلب الاعتماد؟ هل إلى وزارة الداخلية وهم ليسوا حزبا، أم إلى المجلس الإسلامي الأعلى؟ أم إلى وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف؟ هذه الأسئلة وغيرها تشير، وبغض النظر عن إجابات المسؤولين، إلى توتر شبكة العلاقات الاجتماعية في المستقبل المنظور، وإلى صراع محتمل بين الإسلام الشعبي والإسلام الرسمي.

الحكومة الجزائرية وعبر وزير الشؤون الدينية تقدم انطباعا للخارج وتتجاهل متابعة الداخل، بما يقوم على فكرة استغباء الآخرين أو تكريس حالة من الاستحمار، على حد تعبير علي شريعتي، على النحو الذي جاء في محاضرة محمد عيسى، حين قال إن “الجزائر ليست لها نية محاربة الطائفة الأحمدية، لكن السلطات الجزائرية ترفض أن تتَّخذ بعض المذاهب الجزائر أرضا لصراعاتها كما ترفض أن تكون طرفا في هذا الصراع”، وذلك ضمن ردّه على “مراسلات تلقاها من ممثليات الجماعة الإسلامية الأحمدية ببريطانيا حول مزاعم تضييق السلطات الجزائرية على نشاطات أتباعها في الجزائر، بالإضافة إلى تحفظ سفارة إحدى الدول حول تصنيف الجزائر لهذه النحلة ضمن الجماعات التكفيرية”.

كشف محمد عيسى عن أرقام استقاها من ممثليات الطائفة الأحمدية تشير إلى استدعاء 123 من أتباعها في الجزائر واعتقال 21، وكأن السلطات الجزائرية لا تعرف العدد، وهذا أمر غير صحيح من الناحية العملية، ثم إن الوزير أكد على أن التهم الموجهة إليهم “بسبب جمع التبرعات دون رخصة وخارج الإطار القانوني وكذا الانخراط في جمعية غير معتمدة، وأن أئمة تابعين للوزارة تمت مقاضاتهم بنفس التهمة”، وهذا يعني قيامهم بعمل غير شرعي لا صلة له بالمعتقد.

لكن الوزير وقع في تناقض صارخ، فمن جهة أبدى استعداد دائرته الوزارية لـ“الاستماع” إلى الأحمديين “في إطار قوانين الجمهورية”، لكنه استبعد أن تتمكن “الجماعة من التفاوض بشأن اعتبارها جماعة إسلامية”، مشيرا إلى الفتوى التي تعتمدها الجزائر، التي أصدرها الرئيس الأسبق للمجلس الإسلامي الأعلى أحمد حماني بتكفير الطائفة، فكيف لا تحارب في شعائرها وهي في نظر الجزائريين جماعة كافرة؟

يراهن وزير الشؤون الدينية الجزائري على مشروع القانون التوجيهي للشأن الديني المنتظر الانتهاء من إعداده في نهاية 2019 في إطار برنامج الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، والذي سيُعْنَى بتنظيم فضاءات التدين في الجزائر ويعطي الخلفية الفكرية والسياسية للتوجه الديني من خلال “مواد قانونية ملزمة سيتم عرضها لنقاش اجتماعي قبل تمريرها على مجلس الوزراء ثم البرلمان”، وسيكون مسبوقا بـ“اتفاقية تفاعلية حول الوسطية والاعتدال وواجب الخروج من التشدد”، كما يهدف إلى “بث روح المواطنة” دون مراجعة النصوص الدينية بل من خلال ضبط الممارسة الدينية ومنع “مهاجمة المذاهب والديانات الأخرى على المنابر”، ولكن ماذا لو غاب بوتفليقة لأي سبب فهل سينفذ برنامجه؟ وهل ستخرج الجزائر من التخبط بين رفض شعبي لأيّ مذهب آخر، واستجابة للسلطات لتحدي الخارج؟ لكن ما غاب عن الوزير أن إرادة الشعب في هذه المسألة أقوى من السلطات.

كاتب وصحافي جزائري

9