الأحواض الرومانية تنقذ أهالي قفصة التونسية من حر الصيف اللاهب

تشييد الرومان لمعبد المياه وهو مجمع لأحواض مائية عملاقة تحول إلى مسابح منعشة لأهالي قفصة، ومتنفسا للمدينة التونسية الجنوبية الغارقة في الحر وغبار الحوض المنجمي.
الثلاثاء 2018/08/28
متنفس لأبناء الجهة صيفا

تلعب أحواض رومانية مشيدة في قلب مدينة قفصة التونسية دورا ترفيهيا وثقافيا مهما في الجهة، فبالإضافة إلى أنها تشكل مسابح يطفئ عبرها الأهالي غير القادرين على تحمّل تكاليف الاستجمام على شواطئ المدن الساحلية، لهب الحر الشديد، يتم استغلالها لإحياء أمسيات تستقطب السكان للسهر ومشاهدة الحفلات الغنائية والعروض السينمائية.

تونس - تمتد سواحل تونس على مسافة أكثر من 1300 كيلومتر على ضفاف البحر المتوسط، لكن ليس كل التونسيين ينعمون بنسيم البحر وبرودته في الصيف القائظ.

على بعد نحو 400 كيلومتر جنوب غرب العاصمة يشعر سكان مدينة قفصة التي تأوي منطقة الحوض المنجمي المنتج لمادة الفوسفات، بالامتنان للمستعمرين الرومان القدامى الذين حكموا تونس في العصور الوسطى.

وسبب هذا الامتنان تشييد الرومان “لمعبد المياه” وهو مجمع لأحواض مائية عملاقة تحولت على مدى قرون إلى مسابح منعشة لأهالي قفصة ولسكان “حي وادي الباي” بالخصوص، ومتنفس للمدينة الغارقة في الحر وغبار الحوض المنجمي.

يقول أحد المصطافين من جمعية أحباء “وادي الباي” في الحي القديم بقفصة “الأحواض الرومانية هي الملاذ الوحيد لأهالي قفصة عند الحر ومن أجل الترفيه. يأتي الناس هنا ليستحموا حتى خارج فصل الصيف”. ويضيف قائلا “الأحواض هنا ليست مجرد مسابح ولكنها تعكس هوية المدينة بأكملها”.

وتحت وطأة الحرارة الشديدة التي تناهز في المعدل 40 درجة مئوية في الصيف، يفضل الأهالي في قفصة الإقبال على الأحواض بدل التوجه إلى المسابح الاصطناعية، وعددها اثنان في الجهة لكنها تفتح للعموم لفترات متقطعة بسبب غياب الصيانة والافتقار إلى المياه.

وليس هناك تاريخ محدد لبناء الأحواض لكن المؤرخين يذكرون أنها وجدت خلال القرن الأول قبل الميلاد في فترة استحواذ الإمبراطورية الرومانية على تونس، بعد سقوط قرطاج وفي حقبة حكم الإمبراطور تراجانوس، حيث عرفت مدينة قفصة خلال فترة حكمه ازدهارا عمرانيا.

وتقع الأحواض في قلب المدينة العتيقة وإلى جوارها المتحف الأثري، حيث أفرد المسؤولون عليه جناحا خاصا بالحضارة الرومانية لأن قفصة كانت مركزا متقدما على حدود الأراضي التي تسيطر عليها روما ولهذا كانت مقرا لحامية كبيرة تحت إمرة قائد عسكري.

ويضم المتحف مصنوعات يدوية ذات الاستخدام اليومي وحليا وقطعا نقدية ومنحوتات وعناصر فسيفسائية، أبرزها تبليط كبير من الفسيفساء يصور مراحل ألعاب الركض والمصارعة في العصر القديم.

لكن ليس هناك ما يشير إلى ممارسة السكان القدامى للسباحة في الأحواض، إذ يشير المؤرخون إلى أنها تستخدم أساسا للشرب والاستخدام الزراعي في الجهة.

المؤرخون: السكان القدامى لم يستخدموا الأحواض للسباحة بل للشرب والاستغلال الزراعي
المؤرخون: السكان القدامى لم يستخدموا الأحواض للسباحة بل للشرب والاستغلال الزراعي

ويقول فريد زعيش أحد سكان حي وادي الباي وناشط في المجتمع المدني “لا يوجد متنفس آخر في قفصة. الحر شديد والناس يأتون هنا للانتعاش. عمر الوادي قرابة الألفي عام وهو لا يزال يؤدي دوره كما في عهده الأول”.

لكن زعيش يشير أيضا إلى أزمة المياه في قفصة وهي أكبر تهديد للمعلم التاريخي بعد أن كان على مدى قرون طويلة مزودا رئيسيا بالمياه في الجهة.

وتضم الأحواض الرومانية مسابح ثلاثة، تربط بينها قنوات تحت الأرض إثنتان منها غير مكشوفتين. ويبلغ عمقها حوالي خمسة أمتار وقد استخدم الرومان قوالب أحجار كبيرة ومنحوتة لبنائها. وتظهر بأحد جدرانها نقائش لاتينية تجسد نبتون إله الماء الروماني والحوريات الإغريقية.

أما تزويد الماء فكان يتم على مدى قرون عبر المياه الجوفية للمنطقة إلى أن جفت هذه الأخيرة نتيجة للاستغلال الصناعي والزراعي المكثّف في النصف الثاني من القرن الماضي، مع توسع إنتاج الفوسفات وري الواحات الجديدة.

ويتناقل أهالي قفصة أسطورة قديمة، مفادها أن السكان القدامى كانوا يحرصون على ذبح عجل عند مدرج الأحواض لضمان تدفق غزير ومستمر للمياه الجوفية وضمان حماية الحوريات وحراستها لمعبد المياه.

كما يحرص السكان على ذبح عجل عند بداية كل موسم فلاحي، لكن هذه العادة لم تجنب معبد المياه التعرض للجفاف الذي استمر لسنوات وكان له تأثير كبير على الإنتاج الزراعي ودخل الفلاحين القريبين من المعبد.

لكن بعد فترة طويلة من الإهمال وتعثر أعمال التهيئة عادت المياه لتتدفق من جديد على الأحواض بعد ربطها بمشروع مائي في الجهة، ليستعيد معها حي “وادي الباي” حركيته وجاذبيته للزائرين والسياح خلال فترة الصيف وشهر رمضان.

وبسبب البعد عن المناطق الساحلية المطلة على البحر المتوسط والغلاء في المنتجعات السياحية، تمثل الأحواض حلا سحريا وملاذا للشباب المنحدرين من الأحياء الشعبية في الجهة، والذين لا تقدر أغلب عائلاتهم على تحمل تكاليف الاستجمام على السواحل.

وعلى بساطته يوفر هذا الفضاء التاريخي متعة لا توصف للأطفال في قفصة ولأبناء العائلات ذات الدخل الضعيف، فعلى أطراف الأحواض يقف الأطفال جنبا إلى جنب لاستعراض القفزات الهوائية قبل الغطس في عمق المسبح. ويعمد بعضهم إلى الاستمتاع بالقفز من فوق أسطح البناءات العالية والملاصقة لمعبد المياه. وتشرف لجنة أحباء حي “وادي الباي” على تنظيم مسابقات موسمية لأفضل القفزات وللسباحين الماهرين.

لكن الأحواض تلعب دورا ترفيهيا وثقافيا مهما أيضا في الجهة، إذ تتحول في المساء إلى نقطة استقطاب للسهر ومشاهدة الحفلات الغنائية والعروض السينمائية.

ويقول أحد نشطاء جمعية وادي الباي “يأتي الناس للاستمتاع بالموسيقى الصوفية في رمضان ومشاهدة الأفلام في السهرات الصيفية، لكن يحرص الأطفال والشباب أيضا على القدوم في الليل لمتابعة هواية القفز في الأحواض”.

20