الأحياء الشعبية التونسية واجهة الاحتجاجات ووقودها

الفقر وتجاهل السلطة يؤجّجان شعور الشباب التونسي بالنقمة ورفض ممارسات الطبقة السياسية المتجاهلة لقضايا الفئات الاجتماعية.
السبت 2021/01/23
لا حلول قريبة لأزمة عميقة

اقترنت الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها مختلف المناطق التونسية في الآونة الأخيرة بالأحياء الشعبية التي يعاني سكانها من الفقر والخصاصة، ورغم توفّرها على طاقات فكرية وشبابية “مبدعة”، إلا أن منسوب العنف والجريمة يرتفع فيها، فضلا عن مناهضة شبابها “المهمش” للسلطة وأصحاب القرار السياسي.

تونس- مثّلت الأحياء الشعبية التونسية واجهة للاحتجاجات الأخيرة بالبلاد، ولعب شبابها المهمش دورا مهما بهدف تحقيق جملة من المطالب الاجتماعية والاقتصادية، ورفض تواصل سياسة التسويف والمماطلة التي تنتهجها السلطات على غرار بقية الحكومات المتعاقبة.

ولئن كانت التظاهرات شكلا للاحتجاج الشعبي الرافض لممارسات الطبقة السياسية المتجاهلة لقضايا الفئات الاجتماعية، فإنها أماطت اللثام عن قاسم مشترك بين شباب “ثائر” يعاني الإقصاء والبطالة والفقر في أغلب الأحياء وخاصة في العاصمة تونس.

وتطرح الاحتجاجات الشعبية التساؤل حول حقيقة الهوّة التي اتسعت دائرتها بين الفئات التي أنهكتها مشاغل الحياة اليومية مقابل الفقر والبطالة، وطبقة سياسية تتشبّث بـ”برج عاجي” وتجهل حقيقة الأوضاع وتفاصيل معاناة المهمشين والمفقرين والعاطلين.

هوة عميقة

خليفة الشيباني: الأحياء الشعبية تحتج لأنها عنوان للفقر والبطالة والإرهاب
خليفة الشيباني: الأحياء الشعبية تحتج لأنها عنوان للفقر والبطالة والإرهاب

لم يكلف أصحاب القرار في السلطة أنفسهم حتى محاولات تقديم خطاب سياسي واضح المعالم والأهداف، يشخّص حيثيات الواقع المأزوم اقتصاديا واجتماعيا، ويقدم بدائل “منطقية” لمعالجتها، ومن ثمة ربط أواصر جديدة مع الشباب المحتج برؤية وتفكير مختلفين.

ويؤكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أنه سبق أن حذر من تعمق الشعور باللامساواة عند الشباب. وذكر في دراسة حديثة أن 60 في المئة من الشباب الذين استطلعت آراؤهم يشعرون بالتهميش والظلم، وأرجعوا ذلك إلى أن النخب السياسية لم تنجح في مواجهة الفساد وكرست سياسة الإفلات من العقاب وعدم المساواة أمام القانون وتجاوزت مسار العدالة الانتقالية.

وأشارت المتخصصة في علم النفس ريم بن إسماعيل خلال ندوة صحافية إلى أن دراسة ميدانية قام بها المنتدى مع مجموعة من المنظمات الوطنية وشملت 800 شاب من أحياء مختلفة من العاصمة (الكبارية، سيدي حسين، المروج والمنزه)، أظهرت أن 74 في المئة من الشباب يعتقدون أنهم مغيبون من الدولة و”صوتهم غير مسموع”، و80 في المئة منهم يعتقدون أن الدولة تهتم بالأغنياء أكثر من الفقراء وأن القانون لا يطبق على المواطنين بنفس الكيفية.

ويرى المنتدى أن التحركات الاجتماعية التي تعيشها عدة مناطق هي ترجمة “لما تعرضت ومازالت تتعرض له هذه الفئات الواسعة من عنف وعقاب جماعي ووصم واستمرار لسياسات الإقصاء والتفقير والتجويع، فالغضب المتصاعد يطالب بتحقيق المنجزات المرتقبة للثورة ممثلة في العدالة الاجتماعية والكرامة وفي احترام لحقوق الإنسان والقضاء على الفساد”.

ولدى المراقبين قناعة بأن أصحاب السلطة لا يتقنون إلا سياسة الهروب إلى الأمام، ومعالجة أزمة بتعميق أخرى في محاولة لنسيان أو تناس وقتي لخبايا الواقع الأليم. ولا يعترف أصحاب المنظومة السياسية بالشباب إلا زمن الانتخابات، فيسارعون بتقديم برامج ووعود “زائفة” لصناديق تحصد الأصوات وتتنكر للإنجازات باسم الديمقراطية.

ويعتقد العميد خليفة الشيباني الخبير في الشؤون الأمنية أن الاحتجاجات كانت منتظرة لأن الشعب التونسي وصل إلى درجة كبيرة من البطالة والفقر (ثورة الجياع)، والشباب هو من دفع ضريبة ذلك.

مسألة تغييب الشباب عن صناعة القرارات المفصلية بالبلاد هي توجه سياسي بالأساس، وتشير الأرقام إلى تواصل القطيعة بين الشباب والسلطة

وقال الشيباني في تصريح لـ”العرب” إن “الأحياء الشعبية انطلقت منها الاحتجاجات لأنها عنوان للفقر والتهميش والإرهاب والهجرة السرية والبطالة، ولم يقتصر الأمر على محافظات معينة، بل هناك مناطق ساحلية أيضا يعاني شبابها الفقر على غرار سوسة وبنزرت”.

وأشار إلى “ظهور ديمقراطية الفقر، حيث تراجعت الطبقة المتوسطة نحو الفقر وازداد الفقير فقرا والشباب المحتج في 2011 مطالبه كانت شغلا وحرية وكرامة وطنية”.

وتابع الخبير الأمني “نعاني من طبقة سياسية هاوية لم تحقق أي نتائج تذكر، نسب التنمية ضعيفة والمقدرة الشرائية للمواطن ضعيفة أيضا، وهذه الطبقة لم تفهم مشاكل الشباب بدليل عزوف الفئات الشبابية عن الانتخابات، والتصحر الثقافي والفكري لغياب المؤسسات الثقافية، وتغييبه المتواصل عن المناصب السياسية”.

واستطرد بالقول “نعاني من ظاهرة الجوع في تونس، وهناك شبه قطيعة بين الشعب والطبقة السياسية وكلاهما في كوكب لوحده. الأحزاب والحكومات لم تقدم برنامجا واضحا، بل مجرد شعارات ترددها، وسرعان ما تعتمد نظرية المؤامرة عند الاصطدام باحتجاجات الشارع.. لم تنصت لتطلعات الشعب، والشباب التونسي كلّه يعاني”.

إفلاس سياسي

نبيل حجي: القاسم المشترك بين الشباب التونسي هو فقدان الأمل والأفق
نبيل حجي: القاسم المشترك بين الشباب التونسي هو فقدان الأمل والأفق

يبدو أنه لم يعد في جراب الطبقة السياسية ما تقدمه من حلول للفئات الشبابية على وجه الخصوص، ذلك أن حجم القطيعة بين الطرفين بدأ يتسع من عهدة سياسية (برلمان وحكومة) إلى أخرى، دون الاهتمام بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية.

ويقول النائب عن الكتلة الديمقراطية بالبرلمان نبيل حجّي في تصريح، إن الاحتجاج والغضب عند الشباب لا يقتصران على الأحياء الشعبية فقط، بل إن الفئات التي تحدت القانون وحظر التجوال لا تختلف كثيرا عن البقية.

وأوضح في تصريح لـ”العرب”، أن “القاسم المشترك بين الشباب هو فقدان الأمل والأفق والقدوة، في وقت تريد فيه الطبقة السياسية أن تفرض عادات وقواعد قديمة لزمن جديد، والأسباب أعمق مما نعتقد، وهي تربوية ونفسية واجتماعية”. ولإنقاذ ما تبقى في هامش الروابط بين الشباب وأصحاب السلطة، دعا حجي إلى “ضرورة إنصات مؤسسات الدولة وهياكلها للشباب كحد أدنى من محاولات المعالجة والإصلاح”.

ويركز المختصون في علم الاجتماع، من بينهم عمر الزعفوري، عند تفسيرهم لأسباب الاحتجاج، على أن المسألة تعود إلى عوامل أعمق مما يعتقد الجميع. ويقول الزعفوري إن تلك الأحياء لها نمط عيش خاص، وهي غير مهيكلة بالنظر إلى نمط البناء وغير قانونية أحيانا، وحتى من الناحية الجمالية للمباني، نلاحظ حالة من الفوضى والبناء العشوائي تمثل إطارا مباشرا للتحرك والاحتجاج.

وتابع “نضيف إلى تلك الخصوصيات الفقر والخصاصة والحرمان، ولا تتوفر بالعديد من  تلك الاحياء أبسط مقومات العيش الكريم من ملاعب ونواد وفضاءات ثقافية، وبالتالي هناك مدينة غير رسمية وسط مدينة رسمية، بالإضافة إلى البطالة وانسداد الأفق اللذين يغذيان تلك التحركات”.

وكثيرا ما تكون هذه الأحياء الشعبية مناهضة للسلطة وصناع القرار السياسي، وأكد الزعفوري في هذا الشأن أن “هذه الفئات الشبابية المشتركة في الحرمان يمكن أن يخلق بينها طابع تضامني ينعكس على علاقتها الجماعية مع الأمن ومن يمثلون السلطة، وكأنها تقول للسلطة إنها سبب التفقير والإقصاء”.

وأشار إلى أن هذه الفئات تعيش بين عالمين مختلفين (الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي بكل مظاهره) والواقع الأليم، فضلا عن حالة العزلة التي عمقتها إجراءات الحجر الصحي. ويبدو أن مسألة تغييب الشباب عن صناعة القرارات المفصلية بالبلاد هي توجه سياسي بالأساس، وتشير الأرقام إلى تواصل القطيعة بين الشباب والسلطة.

تطرح الاحتجاجات الشعبية التساؤل حول حقيقة الهوّة التي اتسعت دائرتها بين الفئات التي أنهكتها مشاغل الحياة اليومية مقابل الفقر والبطالة، وطبقة سياسية تجهل حقيقة الأوضاع

وذكّرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، بشأن الدور الثاني للانتخابات الرئاسية في 2019، أن نسبة الشباب الذي شارك في عملية التصويت من الفئة التي تبلغ أقل من 25 سنة، لم تتجاوز 11.6 في المئة، في الوقت الذي قُدّر عدد الناخبين في الفئة العمرية نفسها بنحو 440.5 ألف ناخب.

وأظهر المسح الوطني حول الشباب لعام 2018 – 2019، والذي أجراه المرصد التونسي للشباب، أنّ نسبة مشاركة الشباب في الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني بلغت 6.4 في المئة فقط. وتقدر نسبة الشباب المهتم بالشأن السياسي حسب المسح بـ11.5 في المئة فقط، بينما 88 في المئة لا تهتم بالمستجدات السياسية.

7