الأحياء الفقيرة في تركيا.. من حاضنة اليسار إلى مركز رئيسي للإسلاميين

يسلط تقرير نشرته صحيفة “حريات” التركية الضوء على ظاهرة المناطق الحضرية العشوائية في تركيا وكيف تحولت إلى بؤر ينتشر فيها الفقر والأزمات الاجتماعية، ووفرت أرضية هامة لينشط فيها الإسلاميون بكثافة، بما مكنهم من السيطرة على البلاد.
الأربعاء 2016/12/07
مدن قاحلة على تخوم أحياء راقية

أنقرة – تعتبر التحولات الفوضوية في التركيبة السكانية الحضرية في قلب تحولات أوسع في السياسة والمجتمع التركي. ومنذ الخمسينات، كان هناك ارتفاع مستمر في بناء الأحياء الفقيرة على أطراف المدن.

ويكوّن سكان هذه الأحياء، التي تعرف باسم “غاجيغوندو”، 4.7 في المئة من سكان تركيا في عام 1955، وبحلول النصف الأول من الستينات، كان 59 في المئة من سكان العاصمة أنقرة و45 في المئة من السكان في إسطنبول يعيشون في الأحياء الفقيرة.

للبحث في المسألة، التي يطرحها كتاب “الفقر في المناطق الحضرية في تركيا”، قضت الأكاديمية برجو شينتورك من جامعة ايجة، أعواما تعيش في ضاحية إيجة بمنطقة ماماك في أنقرة، مما أتاح لها إلقاء نظرة من قريب على هذه التغييرات. وجاء كتابها ليكون استكشافا لتركيا الموجوعة جراء التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من خلال دراسة وثيقة من أحد الأحياء الفقيرة في أنقرة على مدى عقود من التغيير.

بدأ المهاجرون أوائل الانتقال إلى إيجة في الستينات، ومعظمهم قادمون من المناطق الريفية في المحافظات القريبة من كوروم يوزغات وسيواس. بنى الوافدون الأوائل منازلهم ليلا ودافعوا عنها في مواجهة جرافات البلدية. وكانت الظروف صعبة للغاية: لم يكن هناك كهرباء أو مياه أو صرف صحي، ولم تكن هناك طرق مناسبة أو وسائل للنقل العام في مركز المدينة.

تعاون السكان المحليون لتحسين أوضاع إيجة على مدى سنوات الستينات والسبعينات لتأمين وجودهم في المدينة. وكان الارتباط بين سكان إيجة والجماعات اليسارية قويا. وكثيرا ما جاء اليساريون من داخل المناطق الفقيرة، حيث كان هناك تضامن عضوي بينهم وبين السكان المحليين المتعثرة أحوالهم. اقتبست شينتورك مقولات السياسي اليساري المخضرم سورييا أوندر، الذي كان ينشط في إيجة في السبعينات، الذي وصف “المناطق العشوائية ذات الميول اليسارية بأنها نوع من المأوى للجماعات الاشتراكية”.

وكان الانقلاب العسكري في عام 1980 نقطة تحول حاسمة،حيث شن النظام العسكري في تركيا حملة وحشية على النشاط اليساري. وكتبت شينتورك أن “الحركة اليسارية في الأحياء الفقيرة اختفت وأصبح الناس يخشون الاجتماع والتحرك بشكل جماعي”.

وأدى السعي إلى تحقيق النمو زيادة الطلب على الصادرات القائمة على التصنيع وعلى العمالة الرخيصة وغير الماهرة، إلى موجة جديدة من الهجرة إلى المدن التركية في الثمانينات. وأدى الانخفاض الحاد في دعم الدولة للمنتجين الزراعيين في الريف إلى تدفق موجات جديدة من المهاجرين.

واختلف عمل الوافدين الجدد عن سكان ايجة السابقين. وتراجع التضامن بين سكان الأحياء الفقيرة بما أن مصالحهم اختلفت. الأكثر من ذلك، تم قمع النشاط اليساري وأصبح غير قادر على جمع أفراد المجتمع.

وأوضحت مشاريع “التحول الحضري” خلال التسعينات انهيار التضامن المجتمعي. وشهدت مناطق مثل إيجه نوعا من التجديد، خاصة في ظل استبدال السلطات للأحياء الفقيرة بمجمعات سكنية جديدة. وتم تعويض السكان الذين يملكون سندات عن ملكية العقارات، أما أولئك الذين لا يملكون سندات ملكية فقد تم إجبارهم على مغادرة المنطقة.

وأعاد هذا التصرف الأخير ممارسات التضامن السابقة، وانطلقت موجة نضال جماعي من أجل حقوقهم في السكن، ودعمهم في ذلك العديد من الجماعات اليسارية، ولكن هذا كان مختلفا عن التضامن السابق، فقد جاء النشطاء اليساريون الآن من خارج الأحياء الفقيرة وكتبت شينتوركي أنه في التسعينات “كانت هناك علاقة عضوية بين اليساريين وسكان الأحياء الفقيرة، لم يدعم اليسار نضال السكان من خارج الأحياء الفقيرة”.

ولعبت الأحياء الفقيرة في العقود القليلة الماضية دورا حاسما في صعود الإسلام السياسي في تركيا. وقد نشر عالم الاجتماع سيفينش دوغان مؤخرا كتابا بعنوان “حزب العدالة والتنمية في الحي” يستكشف من خلاله كيف يعمل الحزب الحاكم على أرض الواقع على أطراف المدن القاحلة.

وفي ذات الموضوع، يقدم كتاب عالم الأنثروبولوجيا كيهان ديليباش الذي حمل عنوان “صعود الإسلام السياسي في تركيا”. قراءة هامة حول كيف بنيت الجماعات الإسلامية قاعدتها السياسية من خلال توفير الخدمات في المناطق الحضرية الفقيرة في الثمانينات والتسعينات.

12