الأحياء المهمشة تدق نذر ثورة جديدة في مصر

يقدّم حي المطرية أفضل مثال على البيئة التي ينشط فيها الإسلاميون مستفيدين من أمراضها الاجتماعية وشعور سكّانها بإهمالهم من قبل الحكومة. ويحذّر الخبراء من أن تواصل تهميش مثل هذه الأحياء سيبقى يشكّل خطرا.
الأحد 2016/01/24
الإرهاب ينشأ هنا

القاهرة- لم تأت الاحتياطات الأمنية المكثفة والاستثنائية التي أعلنت عنها وزارة الداخلية المصرية الأيام الماضية تجاه حي المطرية (شرق العاصمة المصرية)، من فراغ، بل جاءت نتيجة تقارير أكّدت أنه سيكون أكثر المناطق إثارة للشغب في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير.

ورصدت “العرب” مشاهد دالة على تحول المنطقة إلى ثكنة عسكرية، حيث وضعت أجهزة الأمن حواجز حديدية ومدرعات لقوات الشرطة وكمائن متحركة وعربات مليئة بقوات مكافحة الشغب. وقد كانت الهواجس الأمنية في محلها، وبالفعل تم ضبط عدد من العناصر الحركية المنتمية إلى جماعة الإخوان وبحوزتهم أسلحة ومنشورات تحريضية على التظاهرات والتخريب في ذكرى الثورة.

وأكّد محللون سياسيون أن تلك الهواجس موجودة دائما، وهي حديث الناس، ومعروفة في الكثير من الأروقة السياسة، وربما تمّ تجاهلها إعلاميا عن عمد، في ظلّ ما تبثه مظاهر العنف بالمنطقة من رسائل للعالم مفادها عدم استقرار الأوضاع بالقاهرة.

الحي الذي كان في الماضي مركزا حضاريا وثقافيا ودينيا هما، بات يطلق عليه قاطنوه اسم “داعش مصر”، وكان لـ “العرب” جولة داخله للوقوف على العوامل التي دفعت الإسلاميين إلى التمركز فيه، وأسباب توقع البعض تجدد العنف في أوساطه، رغم الضريبة الباهظة التي دفعها ساكنوه خلال السنوات الماضية من ضحايا وقتلى ومعتقلين.

أولى نقاط البحث في هذه الأسباب وفهم واقع الحي المريب تكمن في فهم جغرافية حي المطرية، الممتدة شـرقا من منطقة حلمية الزيتون إلى عزبة النخل، وعدد سكّانه الذي يقارب المليوني نسمة.

حي المطرية بالقاهرة يسكنه نحو مليوني نسمة يحشد ساكنيه للتظاهر في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير

الشوارع الرئيسية الواسعة لهذا الحي تجعلك تعتقد أن تخطيط المنطقة تم بشكل جيد، لكن الإنحراف يمينا أو يسارا ينسف الفكرة، لأنه يدخلك في ممرات عشوائية ودهاليز وحارات لا تستطيع الخروج منها بسهولة. والحي أيضا مفتوح أمام غيره من الأحياء الأخرى، ويتوافد عليه أسبوعيا الآلاف من الباعة والمواطنين من مناطق مختلفة، الأمر الذي جعل جماعة الإخوان وحركات سلفية يختارونه للتمركز.

جلال مبارك، رئيس حي المطرية، أوضح لـ “العرب” أن المنطقة تمتلئ بالحارات الضيقة والأزقة التي يصعُب على سيارات الأمن الدخول إليها، ما يسهل للجماعات الإسلامية والإرهابيين الاختباء فيها.

وقال مبارك إن الحي من المناطق شديدة العشوائية والتي تشهد كثافة سكانية عالية، وسكانها يعانون من بطالة جعلتهم ضحية أموال تأتي إليهم من جهات مجهولة، تدفقت عليهم لجمع عدد أكبر من المتظاهرين في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير.

هناء كمال، الباحثة في علم الاجتماع السياسي، ترى أن طبيعة المنطقة المزدحمة وتواضع البنية التحتية، وتواجدها بعيدا عن مركز العاصمة، كلها عوامل تضافرت وجعلت التركيبات النفسية لساكنيها أقرب وأكثر ميلا لممارسة العنف، وشكلت رافدا قويا للتظاهرات والاحتجاجات الإخوانية من قبل، وتستعد حاليا لتكون قنبلة موقوتة.

وأضافت الباحثة أن التركيبة الاجتماعية وكثافتها السكانية العالية جعلتاها أقرب إلى “التركيبة القبلية”، وهذا وفّر ظهيرا مجتمعيا حاميا للإخوان وأنصارهم من السلفيين، وسهّل عملية الحشد والتعبئة ضد النظام.

صراع متجدد

صدامات البؤر الإرهابية الكامنة بين دروب المطرية مع الدولة عقب الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي في 3 يوليو 2013، لم تكن بداية الإرهاب بل كانت امتدادا لإرهاب قديم تأصلت جذوره في هذه المنطقة.

وخلال فترة الثمانينات، كانت المطرية معقلا لبعض المنتمين إلى تنظيم الجهاد الإسلامي مثل رفاعي سرور، الذي تم القبض عليه عام 1981 في القضية المعروفة باسم تنظيم الجهاد. أما الصدام الكبير للمتشددين مع أجهزة الدولة في هذه المنطقة فكان عام 1988، حيث قاموا بمهاجمة قوات الأمن، ووصفوهم بأنهم “جنود فرعون” وفقا لتسمية القيادي الجهادي الشيخ عمر عبدالرحمن، المسجون حاليا في الولايات المتحدة.

وفي التسعينات تبنّت الجماعات الإسلامية المتطرفة عدة عمليات إرهابية وقعت خارج هذه المنطقة. واستهدفت بالأساس عددا من الوفود السياحية، بحجة أنها “تثير غرائز المصلين، وطالبوا أقباط المنطقة بدفع جزية مالية وإلا تعرضوا للدمار”.

الحضور الإخواني في المطرية، اشتد خاصة بعد ثورة 30 يونيو 2013، وأقامت قيادات من تنظيم الإخوان فيها، للابتعاد عن أعين أجهزة الأمن

ومع مرور الوقت، اشتد الحضور الإخواني في المطرية، خاصة بعد ثورة 30 يونيو 2013، وأقامت قيادات من الإخوان فيها، للابتعاد عن أعين أجهزة الأمن، وكانت عائلة نجلاء علي محمود، زوجة الرئيس السابق محمد مرسي واحدة من العائلات المتمركزة في المنطقة.

واتخذ محمد الظواهري (محبوس حاليا) شقيق أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، منها مقرا لاجتماعاته، وأسس جماعة تنظيمية تعتنق الأفكار المتطرفة القائمة على تكفير مؤسسات الدولة والسلطات العامة، وشرعية الخروج عليها، وخططت هذه الجماعة لتنفيذ أعمال تخريبية، إلا أن قوات الأمن تمكنت من القبض على أفرادها قبل تنفيذ مخططاتهم.

وعلى مدار أكثر من عامين بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة في 2013، كان للمطرية وجود مؤثر على خارطة الزخم السياسي في الشارع المصري، وتمددت بجوانبها الجماعات الإسلامية، واستطاعت أن تحوّلها ظهيرا خلفيا لها.

ليس هذا فحسب، بل أيضا سعت عناصر متشدّدة إلى تأسيس إمارة أطلق عليها “دولة الخلافة الإسلامية”، وكان ظهور أعلام لتنظيم داعش في مظاهراتها مؤشرا خطيرا كشف أن هناك تحركات نوعية لتنظيم الإخوان، بالتحالف مع تنظيم داعش، الأمر الذي ضاعف من خطورة الموقف، وفرض المزيد من الاستنفار الأمني بالقرب من المنطقة.

وأوضح محمد حسن، المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين، في تصريحات لـ “العرب”، أن ترتيب المطرية تغير في تقييمات التربية الإخوانية، فبعد أن كانت تحتل المرتبة (ج) والتي تشير إلى أن الإخوان من أبناء المطرية “عديمو التربية”، تغير الحال اليوم وتحولوا إلى مصدر ملهم للثورة الجديدة التي تحضّ عليها قيادات جماعة الإخوان.

وصف حسن اتجاه الإخوان لإدارة الصراع من حي المطرية بـ”النقلة النوعية” التي قررتها الجماعة في طريق إدارتها للصدام مع النظام المصري. ويرى أن تكرار المحاولات الفاشلة لدخول ميدان التحرير بوسط القاهرة، أجبر الإخوان على إعادة التفكير والتحصن بالأماكن التي يحظون فيها بثقل اجتماعي وكثافة سكانية عالية، ولا تمثل البيئة المحيطة بها خطرا عليهم، مشيرا إلى أن الجماعة استغلت الاحتياج المادي والفقر المدقع في الأحياء الشعبية لاستقطاب أعداد كبيرة من السكان.

وأوضح أن موقع المنطقة في شرق القاهرة سهل تسلل بعض أعضاء تنظيم داعش في سيناء إليها، علاوة على تسرب متطرفين جاؤوا من مدن قناة السويس، والمحافظات التي تقع في الشمال الشرقي للبلاد.

صورة قاتمة

الحراك الشعبي واستمراره وتصاعده وخروج مسيرات الإخوان من حي المطرية في الأيام المقبلة، يرجعه أهالي المنطقة إلى وجود قاعدة جماهيرية مؤيدة للإسلاميين واختفاء دور الأحزاب المدنية

الحراك الشعبي واستمراره وتصاعده وخروج مسيرات الإخوان من حي المطرية في الأيام المقبلة، يرجعه أهالي المنطقة إلى وجود قاعدة جماهيرية مؤيدة للإسلاميين واختفاء دور الأحزاب المدنية، بشكل جعل سكان المنطقة لقمة سائغة للمتشددين بمختلف أطيافهم.

هذه الصورة القاتمة بالنسبة إلى أجهزة الأمن المصرية لم تفقدها الأمل في القبض على بعض العناصر الخطرة، فقد تمكَّنت قوات الشرطة من إلقاء القبض على عدد من المنتمين إلى التنظيمات الجهادية والتكفيرية في محيط الحي، فضلا عن عناصر تنتمي إلى الإخوان كانت قد تورطت في أعمال عنف. ولم تخل عمليات الاعتقال أيضا من المنتمين إلى التيار السلفي، الأمر الذي ولد نزعة انتقامية لدى أهالي المتهمين، دفعتهم إلى الانضمام إلى المظاهرات المناهضة للجيش والشرطة.

وقد أكد باحثون في الحركات الإسلامية لـ “العرب” أن ما قاله أهالي المنطقة سيكون سببا في تصاعد العنف خلال الأيام القادمة، لكن التشديدات الأمنية المكثفة الآن يمكن أن تعيق الكثير من العمليات الإرهابية، وربما تضطرها إلى تغيير تكتيكاتها، والانتقال إلى مناطق أخرى قريبة لخداع أجهزة الأمن، وإرباك دورها بسلاح المفاجأة.

ولا يعتقد العميد خالد عكاشة، وهو خبير أمني، أن جماعة الإخوان تحمل في يدها مخاض ثورة جديدة، كونها لا تمتلك المقومات الاجتماعية والشعبية، فضلا عن أن السلوك الذي تنتهجه تدميري وضد المجتمع. وأكد لـ”العرب” أن الجماعة تتهاوى وفقدت القدرة على الحشد، وأرادت تحويل المطرية إلى ميدان للتمركز والسيطرة بعد فشل الاعتصام في ميدان رابعة العدوية، لكن قوات الأمن أفشلت ذلك المخطط. ولفت عكاشة إلى أن وقوع ضحايا في صفوف الأمن عند الاشتباك مع تلك الجماعات يجعل هناك حاجة ملحة إلى منظومة أمن وقائي، وفرز العـناصر الخطيرة والـقبض عليها بعد تحديد أماكن اختبائها.

6