الأحياء بضيافة الموتى في مقابر مصر

تمثل المدافن المنتشرة في مدن مصر وبلداتها صورة مصغرة عن الحياة الدائرة خارج أسوارها، فهي تضم الأحياء والأموات إلى جانب حفاري القبور وبائعي المواد الغذائية ومهن أخرى يجتهد أصحابها في الحصول على إكراميات لقاء خدمات يقدمونها لزائري المقابر يحكمها دستور غير مكتوب.
السبت 2017/12/02
خدمة الميت رزق للأحياء

القاهرة - لا تتعدى علاقة حفار القبور بمعظم الأسر المصرية المالكة للمقابر، حدود مكالمة هاتفية يتلقاها لإبلاغه بوفاة أحد الأشخاص، يستعد بعدها لفتح المقبرة وتجهيزها وإحضار معاونين له في عملية الدفن.

وتغادر عائلة الميت المقبرة مباشرة عقب عملية الدفن، وتترك فقيدها مفترشا الأرض في حراسة شخص آخر حي، قرر أن يقضي حياته في ضيافة الموتى، ولا تفصل بينه وبينهم إلا كومة من التراب.

ويتلقى الحفار خبر الوفاة بسعادة بالغة، لأن ذلك يعني حصوله على مكسب مادي يمثل الركيزة الأساسية لإعالة أسرته.

ولا يعادل المبلغ الذي يتلقاه العامل بحفر القبور عادة عن كل ميت والذي لا يتجاوز 5 دولارات، رهبة نزوله إلى القبر ومصاحبته للجثمان والكشف عن وجهه، وهي خطوة قد يخشاها أهل الميت أنفسهم، بالإضافة إلى أنه يضطر أحيانا إلى جمع عظام جثة قديمة وإبعادها في ركن من القبر إفساحا للميت الجديد.

ودفع استناد حفاري القبور على ما يمنحه لهم أهالي الميت من مبالغ زهيدة بالكاد تؤمن لهم قوت يومهم، زيدان القنائي باحث ومتحدث إعلامي لمنظمة العدل والتنمية لحقوق الإنسان، إلى المطالبة بتأسيس أول نقابة لحفاري القبور في مصر والشرق الأوسط، وضمها إلى وزارة الأوقاف أو الأزهر الشريف، إضافة إلى منحهم رواتب شهرية من الحكومة.

وفي المجمل هذه هي طبيعة عمل حفاري القبور؛ مهنة قاسية، وإلقاء نظرة أخيرة على الميت. وعلى الرغم من صعوبة اختراق عالمهم الخاص كان لـ”العرب” حديث مع حفاري مقابر “المجاورين” التي تقع في حي منشأة ناصر بالعاصمة المصرية القاهرة، حيث يتجاور الأحياء والأموات ويتزاحمون على المكان وسط أزمة إسكان تعانيها مصر.

مداخل المقابر تضم الورش الصناعية وأكشاك بيع السجائر والمرطبات والكلاب الضالة والشحاذين

وتستقبل الكلاب الضالة التي تشارك الأحياء والأموات المكان نفسه، الزائرين في مدخل المقابر التي تضج أيضا بالحياة، إذ تنتصب بها الورش الصناعية وأكشاك بيع السجائر والمرطبات، كما أن الحوائط مطلية بأرقام هواتف للحانوتية وحفاري القبور والمقرئين، وعلى مصاطب خرسانية بنيت أمام بعض المقابر، يجلس بعضهم في انتظار مرور إحدى سيارات دفن الموتى ويهرولون خلفها من أجل جنيهات قليلة.

وتمثل المقابر مصدرا للرزق في منطقة عمرها المئات من السنين، فهي تجمع حراس القبور وحفاريها وبائعي الزهور للزائرين وعمال النحاس وصانعي الدرج الجيري المستخدم في تغطية المقابر.

على نهج الفتوات

كان لقاء حفاري القبور يمر بالتنسيق مع أحد المسؤولين عن المقابر، الذين يطلق عليهم بين أصحاب المهنة “معلمين”، يحكمون السيطرة على مجموعة مقابر، وهو أمر شبيه بما يعرف بـ”الفتوة”، وهي مهنة عرفتها المناطق الشعبية في مصر قبل العشرات من السنين.

وهناك دستور غير مكتوب يحكم بين هؤلاء، فلا يمكن لأحد أن يجور على منطقة الآخر، ويحرّم على حفار القبور التحدث مع أهل الميت في الأمور المالية، إذ يكتفي بجنيهات قليلة تمنح له بعد عملية الدفن كـ”الإكرامية”، أما التكلفة الكلية والتي تتراوح ما بين 400 و1000 جنيه (أي ما يعادل من 20 إلى 50 دولارا)، فهي من حق “المعلم”.

وقال محمد درويش، أحد حفاري القبور، وهو جالس في “الحوش” المسؤول عنه، (الحوش هو مجموعة من المقابر محاطة بسور واحد، وله بوابة حديدية)، إنه لا يستحي من هذه المهنة التي مارسها لأكثر من أربعين عاما.

المهمة الصعبة

أضاف لـ”العرب” أن مهمته تبدأ قبل وصول الميت، موضحا أنه يقوم بفتح المدفن والعيون وتهويتها ثم تجميع عظام الميت السابق في جوار المدفن، استعدادا لوضع الميت الجديد، وبعدها يتم التأكد من تصريح الوفاة والجثة، وخلوها من وجود شبهة جريمة أو جرح غير وارد بالتصريح، لأنها أمور قد تعرضه للمساءلة.

وتابع “بعدها يتم إنزال الميت بمساعدة أهله إلى العين (المقبرة)”. ويجاهد ‘التربي’ وفقا لدرويش على ألا يصطدم جسد الميت بالجدران، كما يحرص على وضع الميت على شقه الأيمن، وفك الأربطة ووضعه تجاه القبلة، ثم الخروج وغلق باب القبر بالحجارة والرمل والجير، ويتولى مقرئو المدافن تلاوة القرآن، وهم جزء من شبكة العمل بالمدافن.

وأكد أن الخوف شيء لم يعد موجودا في حساباته، لكنه يجد مشقة في عمليتي الحفر والردم.

تقاسم المكان

وأشار درويش إلى أنه “يواجه صعوبة بالغة في بعض الحالات التي توفي صاحبها حرقا أو في حوادث، وهي حالات تحتاج إلى حرص شديد في التعامل، أما الأصعب من ذلك فهي تلك الحالات التي توفيت في جرائم سرية لا تنكشف إلا بعد أن تفوح رائحة الجثة”، لافتا إلى أن أكثر ما يثير مشاعره هو دفن الأطفال الصغار.

وصرح لـ”العرب” أن المقابل المادي الذي يمنحه له أهل الميت، مجرد إكراميات لا علاقة لها بتكاليف الدفن التي يحصل عليها “المعلم”، لكن تلك الجنيهات القليلة التي يجمعها، يعتمد عليها في الإنفاق على أسرته المكونة من زوجة وأربعة أبناء، رفض أن يعمل أي منهم في نفس المهنة، وفضلوا العمل في حرف أخرى، لأنه من الطبيعي ألا تكفي هذه الجنيهات في الإنفاق على التعليم.

وأكد أمين (65 عاما) في حديثه مع “العرب” أن البعض ينظر إليهم على أنهم يستغلون أحزان الآخرين للحصول على الأموال، لكن هذا مفهوم خاطئ، لأن الحفار يتقاضى جنيهات قليلة لا تكفي لوجبتي طعام، وفي أيام الركود يعتمد على الصدقات التي يتبرع بها زائرو المقابر، من الحبوب أو الفاكهة أو الأموال.

وتختلف المقبرة التي يعمل فيها أمين عن المقابر الحديثة ذات السلالم، فهي مبنية على سطح الأرض كضريح صغير للتعريف بوجود جثة في هذا المكان، وهذه البناية الصغيرة التي تكفي لدفن جثتين أو ثلاث لها باب معدني صغير، وعند القدوم بجثة يقوم الرجل الستيني بفتح هذا الباب وإزاحة الجثث القديمة، وبعدها يدخل الميت ثم يهيل عليه بعض التراب ويغلق المقبرة.

ويختلف الوضع في قرى مصر تماما، حيث يكون الإعلان عن حالة الوفاة عن طريق مكبرات الصوت في مسجد القرية، ويتجمع الأهالي للمشاركة في الجنازة ويتم توفير “الكفن” مجانا أو بمقابل مادي بسيط، أما القادرون فيشترونه من الخارج بمواصفات أخرى، وقد لا يحصل حفار القبور على مقابل مادي معتمدا على معونات من أهل القرية.

ولم تعد مهنة حفار القبور سيئة السمعة كما كانت من قبل، فهو الآن يعتبر موظفا حكوميا بإدارة المقابر، وأحيانا يحمل العاملون في المهنة مؤهلات دراسية، وهناك جيلان في هذه المهنة، وأبناء الجيل القديم هم الذين يعملون في المدافن القديمة، وحيازتهم على المقابر تصل إلى 2000 مقبرة، أما أبناء الجيل الجديد فهم الذين يعملون بالمدافن الجديدة وحيازتهم لا تتعدى 100 مقبرة، وهم من يعملون في بيع وشراء المقابر.

ابتسامة البراءة

داخل أحد الأحواش المنتشرة في المقابر كانت الملابس منشورة أعلى قباب المقابر، وغسالة ملابس وكراس خشبية، وهناك غرفة كبيرة يدخلها الضوء بالكاد، تضم بين جدرانها سريرين ودولابا خشبيا متهالكا، وتفوح من هذه الغرفة رائحة توحي بالفقر.

وقال رب الأسرة حسين عبدالله لـ”العرب”، إن العيش وسط الأموات أكثر راحة من العيش بين الأحياء، وكشف أنه جاء إلى هذا المكان بعد أن أغلقت في وجهه كل سبل الحصول على شقة سكنية.

العيش وسط رائحة الموت

ويحاول الرجل الذي يعمل في تصليح إطارات السيارات، الابتعاد عن التفكير في حاله وحال أولاده، ويبدو أن الطموح قد قتل في داخله وليس هناك من سبيل إلى الارتقاء أو التفكير في أن يتولى أحد أبنائه وظيفة مرموقة.

أما الحاج عبده، فورث السكن في المقابر أبا عن جد، فهو يعيش وسط الأموات منذ 70 عاما، ولفت لـ”العرب”، إلى أن الحصول على مقبرة للسكن لم يعد بالأمر اليسير، بل يحتاج إلى أموال طائلة، لكنه يقطن في هذا المكان بإذن من أصحاب المدفن وهم عائلة ميسورة، وفي الوقت نفسه يحرس مدفنهم لحماية أمواتهم من السرقة.

وعلى الرغم من أن بعض سكان المقابر يرغبون في الخلاص من هذا الوضع، والبعض الآخر استسلموا للعيش وسط الصمت، فإن هناك آخرين لا يريدون أن يبرحوا المكان، لأنهم يحصلون على المال دون عناء.

ووفقا لآخر إحصائية في مصر، يبلغ عدد سكان المقابر نحو 5 ملايين نسمة، ولا يعيش البعض منهم في أمان، فقد تحولت المقابر إلى أوكار لـ”البلطجية” ومدمني المخدرات، الذين يقضون لياليهم وسط زجاجات الخمور والحقن المخدرة.

ويستغل البعض المقبرة حيث المثوى الأخير الذي يتوارى فيه الجسد تحت التراب، لعقد صفقات تدر عليه الآلاف وربما الملايين من الجنيهات، وتختلف أسعار المدافن وفقا للمساحة والموقع وعدد الحجرات ومساحة الحوش الخارجي.

والطريف أن التجارة في المدافن لا تختلف عن التجارة في العقارات الفخمة، فشراء مدفن بجوار مدافن المشاهير في مجال السياسة والفن والرياضة، يرفع من سعره، وهناك من يطلب تشطيبات داخلية فاخرة بأحدث وأثمن أنواع الرخام والغرانيت.

ويوجد نوعان من المقابر في القاهرة الكبرى؛ مقابر قديمة موجودة منذ المئات من السنين، مثل مقابر “المجاورين” و”الإمام الشافعي” و”السيدة عائشة”، والمستحدثة مثل مناطق السادس من أكتوبر وطريق السويس.

وتوجد في منطقة مثل مدينة السادس من أكتوبر التابعة لمحافظة الجيزة، القريبة من القاهرة، مدافن الصفوة والتي تبدأ أسعارها من 500 ألف جنيه (نحو 25 ألف دولار) وتتجاوز هذا المبلغ حسب المساحة التي تبدأ من 40 مترا، وتليها في القيمة السعرية تلك المقابر الموجودة في حي مدينة نصر، شرق القاهرة، وتبدأ الأسعار هناك من 300 ألف جنيه (نحو 15 ألف دولار).

وهناك مناطق نائية مترامية الأطراف تتدنى فيها الأسعار وتصل في منطقة الخانكة التابعة لمحافظة القليوبية إلى 40 ألف جنيه (ألفا دولار)، وكل هذه المدافن قابلة للتقسيط.

20