الأخبار السيئة تنفر الجمهور من متابعة النشرات الإخبارية

باحثون يؤكدون أن غلبة الأخبار السيئة تؤدي مجتمعيا إلى تقديرات خاطئة للواقع.
الثلاثاء 2019/09/03
غرف الأخبار تبالغ في التركيز على الأحداث السيئة

يتأثر الناس بأخبار الصراعات والحروب والكوارث بشكل أكبر من الأخبار الإيجابية، كما أنها تحمل أهمية كبرى للمؤسسات الصحافية باعتبارها تهمّ الجمهور بالدرجة الأولى فيسعى إلى متابعتها، لكن دراسة جديدة خلصت إلى أن هذه الأخبار تتسبب في نفور الجمهور وعزوفه عن متابعة النشرات الإخبارية عموما.

واشنطن - من المعتاد أن تستدعي الأخبار السيئة ردود فعل أقوى لدى الناس مقارنة بالأخبار السارة، ولكنّ التركيز الدائم على الصراعات والأحوال السيئة قد يصدّ المواطنين عن متابعة هذه الأخبار ويجعلهم يعزفون عنها.

وقال باحثون من عدّة دول بينها الولايات المتحدة وكندا، إن تأثير الأخبار السيئة موجود لدى شعوب العالم باختلاف ثقافاتهم، ولكن ليس بالضرورة لدى جميع أبناء الشعب الواحد.

وتوصّل الباحثون إلى نتائج الدراسة التي نشروها في العدد الأخير من مجلة “بروسيدنجز” المتخصصة الصادرة عن الأكاديمية الأميركية للعلوم، بعد إجراء تجارب على مواطنين من 17 دولة.

وقال خبير ألماني مستقلّ في سياق تقييم نتائج الدراسة إن النتائج منطقية، ولكنّه رأى أن الدراسة تعتريها بعض مواطن القصور الإجرائي.

وكثيرا ما يبدو العالم في نشرات الأخبار مكانا مخيفا، وذلك لأن الأخبار السلبية هي التي تغلب عادة على التغطية الإخبارية.

ويقول الباحثون تحت إشراف ستوارت سوروكا، من جامعة ميشيغان بمدينة آن آربر الأميركية، إن أهمية المواقف السلبية للأخبار واضحة نسبيا، لذلك تؤثر على اختيار المواضيع وعلى إنتاج الأخبار في نفس الوقت.

من واجب الصحافيين كتابة أخبار عن الصراعات والأحوال السيئة ولكن التركيز الدائم عليها يدفع الجمهور للإعراض عنها

وأوضح الباحثون أن التغطية الإخبارية تلعب دورا محوريا بالنسبة للديمقراطيات، حيث أن من واجب الصحافيين كتابة أخبار عن الصراعات وعن الأحوال السيئة، ولكنّ التركيز الدائم على هذا النوع من الأخبار يدفع الجمهور للإعراض عنها.

وأكد الباحثون ضرورة تفسير السبب وراء غلبة الأخبار السلبية على التغطية الإعلامية، وأشاروا في هذا السياق إلى تفسيرات مختلفة لهذه الظاهرة.

ويرى بعض الباحثين أن التركيز على المعلومات السلبية يشير إلى المخاطر المحتملة، مما يجعل هذه الأخبار تثير انتباه المواطنين.

ولكنّ باحثي علم النفس المجتمعي يركزون في تفسيرهم لهذه الظاهرة، أكثر على الاختلافات المحتملة بين الثقافات، خلال التغطية الإعلامية، في دول عديدة، مثل الولايات المتحدة واليابان.

وركّز سوروكا وزملاؤه من كندا خلال هذه الدراسة، على ردّ فعل الناس على الأخبار السارة والأخبار السيئة، وتبيّن لهم أنه “في الوقت الذي تميل فيه الأخبار إلى السلبية، على المستوى الدولي، فإنّ أهمية هذه القضية تصبح واضحة”.

وأمر الباحثون أكثر من 1150 متطوعا، إجمالا، من 17 دولة من جميع قارات العالم، بمتابعة سبعة أخبار من الأخبار الدولية لهيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”، بترتيب عشوائي، مع كتابة عناوين هذه الأخبار عند الضرورة، أسفل الشاشة.

وكان خبران من هذه الأخبار السبعة متعلقَين ببلد الشخص المتطوع، وكان أحدهما إيجابيا والآخر سلبيا. وتتعلق الأخبار السلبية، على سبيل المثال، بحريق نشب في ملهى ليلي وإلقاء القبض على مجرم سفاح، قتل عدة أشخاص، أو مشكلة بيئية.

وتعلقت الأخبار الإيجابية، على سبيل المثال، بفائزين في اليانصيب، ونجاح عملية جراحية أجريت لطفل أو أشخاص يريدون تعليم الكلاب قيادة السيارة. وقاس الباحثون أثناء مشاهدة الأخبار المقاومة الكهربية لجلد الإنسان، في عدة أصابع لدى المشاهد، إضافة إلى معدل ضربات القلب، حيث إن كلا منهما يعطي مؤشرا على ردّ الفعل العاطفي للمشاهد.

وجاء رد فعل المشاركين من معظم البلدان، سواء من خلال القدرة التوصيلية للجلد أو تنوّع النبض لديهم، أقوى على الأخبار السيئة منه على الأخبار السارة، “وتبرهن هذه الدراسة على أن الناس على مستوى العالم يستجيبون بشكل أقوى للتغطية الإعلامية السلبية”، حسبما أوضح الباحثون.

غير أن معدّي الدراسة عثروا أيضا على اختلافات فردية واضحة بين أبناء الثقافة الواحدة، وهو ما يدل على أن وسائل الإعلام ليست مضطرة للتركيز بشكل أساسي على الأخبار السلبية.

وقال الباحثون “حتى وإن كان التوجّه السائد هو أن المشاهد يهتم أكثر بالأخبار السلبية، إلا أنه يبدو أن هناك عددا كبيرا من الناس لهم اهتمامات أخرى، أو ربما اهتمامات قابلة للتأثير”. وهذا ما على المؤسسات الصحافية أخذه بعين الاعتبار.

الأخبار السيئة يصدّ المواطنين عن متابعة الأخبار
الأخبار السيئة يصدّ المواطنين عن متابعة الأخبار

ويرى توبياس روتموند، من جامعة يينا الألمانية، في سياق تقييمه للدراسة، أن “نتائج الدراسة تؤكد نظرية أن للسلبية قيمة عالية جدا في الأخبار، وبشكل مشترك بين المجتمعات المختلفة”.

واعتبر الباحث الألماني، أخصائي علم نفس الإعلام والاتصالات، ذلك أمرا منطقيا من ناحية تطور الإنسان، “غير أن الدراسة يعتريها عدد من مواطن القصور الإجرائي”، مبررا ذلك بأن عدد الأشخاص الذين اعتمد عليهم الباحثون كعيّنات كان قليلا في معظم البلدان.

كما رأى روتموند أن أصحاب الدراسة لم ينتقوا الأخبار السارة والأخبار السيئة التي عرضوها على المتطوعين، بشكل متوازن بما يكفي، من حيث العلاقة المحتملة للمتطوعين مع هذه الأخبار.

ولكن روتموند يعتقد أنه من الممكن أن يتلقّى المشاهد الأخبار السلبية باهتمام أكثر من تلقيه الأخبار السارة. ومع ذلك فإن التركيز بشكل أقوى على الأحداث السلبية أمر إشكالي. حيث إن غلبة الأخبار السيئة يمكن أن تؤدي مجتمعيا إلى تقديرات خاطئة للواقع.

 وتابع أن أخبار الجريمة والإرهاب تحتل في التغطية الإعلامية، مساحة أكبر مما تستحق، وقال “لذلك فإن الناس يفرطون في تقييم هذه الأخبار، وهو ما يؤثر على تكوين الرأي السياسي”.

ونوه “هناك أحزاب تستغل ذلك وتروّج لنفسها اعتمادا على خوف الناس من الأحداث السلبية”.

18