"الأخبار الكاذبة" تقدم خدمة للأنظمة المولعة باستهداف الصحافة

ترامب وأردوغان يتبادلان الإعجاب حيال مواقفهما المعادية للصحافيين، واستغلال محاربة التطرف لفرض الرقابة على الإعلام.
الخميس 2018/03/08
ظاهرة تسيء للصحافيين من جميع الجهات

واشنطن - يشير محللون في وسائل الإعلام إلى المخاطر المرتبطة بانتشار “الأخبار الوهمية”، لكنهم يتجاهلون غالبا تأثير هذه الظاهرة على الصحافيين أنفسهم، إذ أصبحت ذريعة مثالية للأنظمة الدكتاتورية، لحبس الصحافيين وتبرير الرقابة.

وتقول كورتني سي رادش، مديرة قسم الدفاع في لجنة حماية الصحافيين، أن هذا المصطلح يستخدم لتشويه سمعة صناعة بأكملها، وتحوّل إلى تهديد للصحافيين، إذ بلغ عدد الصحافيين الذين يعملون بصدق، وسجنوا بسبب نشرهم أخبارا كاذبة أو خيالية 21 صحافيا، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق. ونظرا إلى أنّ القادة غير الديمقراطيين يستخدمون بشكل متزايد مصطلح “أخبار مزيفة” لمعارضة وسائل الإعلام المستقلة، فمن المرجّح أن يستمر هذا العدد في الارتفاع.

القوانين الغامضة التي تخلط بين تغطية الإرهاب ودعمه، توفر غطاء للنظم التي ترمي إلى منع التغطية الإخبارية السلبية

وأضافت في تقرير على منصة بروجيكت سنديكيت، يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب مثالا واضحا على هذا الاستخدام، مع دأبه المستمر على نعت وسائل الإعلام المعارضة له بالكاذبة، كما نأت الولايات المتحدة، الرائدة عالميا في الدفاع عن حرية التعبير، بنفسها عن هذا الدور.

وقد وفّرت تغريدات ترامب على تويتر عن “الأخبار الوهمية”، تبريرات لأنظمة استبدادية عديدة، في إجراءاتها ضد وسائل الإعلام، ففي ديسمبر الماضي، نشرت صحيفة الشعب اليومية التي تديرها الحكومة الصينية، تغريدات ورسالة على فيسبوك رحّبت بتصريحات ترامب حول الأخبار المزيفة. وأشارت الصحيفة إلى أنها تحتوي على “حقيقة أكثر عُمقا حول وسائل الإعلام الغربية”.

وفي يناير الماضي، أشاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بترامب لقيامه بتوبيخ مراسل قناة سي إن إن خلال مؤتمر صحافي مباشر. وقال أردوغان، الذي انتقد شبكة تغطيته للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في تركيا في عام 2013، إن ترامب قد أسكت الصحافيين.

ورد ترامب المجاملة عندما التقى أردوغان بعد بضعة أشهر. وأشاد بنظيره التركي كحليف في مكافحة الإرهاب، لكنه أخفى سجل أردوغان البائس في مجال حرية الصحافة.

ولا يعتبر مصادفة أن الدول الثلاث المذكورة تناولت مفهوم ترامب “للأخبار المزيفة” بشكل أسرع. ومن بين الصحافيين الذين اعتقلوا في جميع أنحاء العالم خلال عام 2017، سجن أكثر من نصفهم في الصين ومصر وتركيا، وما زالوا مستمرين على ذات النهج، لا سيما مع صمت المجتمع الدولي على هجمات هذه الحكومات على وسائل الإعلام المستقلة، الذي كان بمثابة موافقة عليها.

وقد ألقي القبض على معظم الصحافيين في تركيا خلال السنتين الأخيرتين حيث كان تدهور حرية التعبير سريعا، منذ محاولة انقلاب فاشلة في عام 2016، حيث عالجت المحاكم التركية حوالي 46 ألف قضية اتهم فيها أشخاص بإهانة الرئيس أو الأمة أو المؤسسات.

ويجري التحقيق مع كل من الصحافيين الـ73 الموجودين حاليا في السجون التركية بتهمة ارتكابهم جرائم ضد الدولة. ويعتبر الاتهام الأكثر شيوعا للصحافيين هو الانتماء أو الدعم أو الدعاية لمنظمة إرهابية مزعومة.

وتوفر القوانين الغامضة التي تخلط بين تغطية قضايا الإرهاب ودعمه، غطاء للنظم التي ترمي إلى منع التغطية الإخبارية السلبية. وعلى سبيل المثال، فإن محاولة الكتابة عن حزب العمال الكردستاني في تركيا أو عن الأويغور في الصين، قد تضع الصحافيين بسرعة وراء القضبان للتعاطف مع الإرهابيين.

 

اتخذت العديد من الأنظمة المستبدة من ظاهرة الأخبار الكاذبة ذريعة لاستهداف الصحافيين وملاحقتهم، كما تلقف بعض السياسيين تغريدات ترامب عن “الأخبار الوهمية”، لضرب المثل بها، وتبرير إجراءات الرقابة على وسائل الإعلام المستقلة.

ويواجه ما يقرب من ثلاثة أرباع الـ262 صحافيا الذين سجنوا في جميع أنحاء العالم اتهامات بالنشاط المناهض للدولة، وفقا لما جاء في الدراسة الأخيرة للجنة حماية الصحافيين.

ولكن حتى لو لم يتم القبض على الصحافيين، فإن بعض السياسيين يواصلون استخدام مصطلح “أخبار مزيفة” لتشويه مصداقية التغطية المشروعة.

وتكمن المفارقة في أن جهود بعض الحكومات الغربية لمحاربة المحتوى العنيف أو المضلل من وسائل الإعلام الاجتماعية، أو التصدي لتدخل روسيا في الانتخابات في عدة دول غربية، تم استغلالها من قبل أنظمة مستبدة في تبرير الرقابة على الصحافيين الصادقين الذين يقدّمون تقارير عن أحداث حقيقية في أخطر الأماكن في العالم.

وتحوّلت الأهداف المشروعة للحرب على الأخبار الكاذبة إلى سلاح بأيدي الأنظمة المستبدة ضد الصحافيين الذين يزعجونها بكشف الحقائق.

وأشار التقرير إلى ما حدث في العام الماضي، عندما قررت يوتيوب احتواء المحتوى المتطرف، وأزالت المئات من مقاطع الفيديو المرتبطة بالنزاع في سوريا، بما في ذلك العديد من اللقطات التي نشرتها شبكة أخبار الشام، ووكالة قاسيون للأنباء، والمركز الإعلامي إدلب – وجميع وكالات الأنباء المستقلة التي نشرت هذه الكارثة.

وبالمثل، أغلق فيسبوك حسابات الأفراد والمنظمات التي تستخدم المنصة لتوثيق العنف ضد الروهينغا المسلمين في ميانمار، وهي أزمة وصفتها الأمم المتحدة بأنها “مثال أساسي للتطهير العرقي”. وقال فيسبوك إن هذا التصرف كان ردا على انتهاكات “معايير المجتمع” للمنصة.

ومنع تويتر الصحافيين المواطنين في مصر وسوريا من الإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان، وفقا لما ذكره صحافيون تم إغلاق حساباتهم.

وقد وصلت رقابة تويتر قلب أوروبا؛ ففي يناير، أزيلت مجلة ساخرة ألمانية من المنصة بعد أن أصدر البوندستاغ قانونا ينص على غرامات تصل إلى 50 مليون يورو (61 مليون دولار) على شبكات التواصل الاجتماعي التي لا تزيل المحتوى غير القانوني في غضون فترة معيّنة من الزمن. وتنظر دول أوروبية أخرى في اتخاذ تدابير مماثلة لإجبار شركات الإنترنت على مكافحة التضليل والتطرف.

وقد تكون القوانين التي تهدف إلى كبح خطاب الكراهية أو العنف أو “الأخبار المزيفة” حسنة النية، إلا أن تنفيذها كان قاسيا، ولا يتضمن سوى آليات قليلة لضمان المساءلة والشفافية أو إمكانية عكسها. وتستعين الحكومات بمصادر خارجية للرقابة على القطاع الخاص، حيث يكون الهدف لمصلحة المساهمين في صميم عملية صنع القرار، وليس الحفاظ على حرية الصحافة.

ويجب على قادة البلدان الديمقراطية في العالم أن يعارضوا الهجمات غير القانونية على الصحافة المستقلة، وهذا يعني إعادة النظر في المحتوى غير الدقيق للأخبار. ومن أجل الأداء السليم للمجتمع، هناك حاجة إلى وسائل الإعلام الحرة النشطة، وليس التضليل الذي من شأنه أن يضعف ذلك. ولكن العلاجات الرسمية التي تؤدي إلى سجن الصحافيين، هي أسوأ من المرض نفسه.

18