الأخت الكبرى للنواعير السورية تستعد للدوران مجددا في نهر العاصي

رغم أن النواعير في سوريا فقدت وظيفتها الرئيسية في تأمين المياه سواء للري أو الاستخدام المنزلي مع التقدّم التكنولوجي منذ عقود، إلا أن السلطات المحلية تولي بقاءها اهتماما خاصا.
الأربعاء 2020/07/08
استراحة أهل المدينة

تعد النواعير من أبرز المعالم التاريخية والأثرية التي تميزت بها مدينة حماة، حيث شكلت في القديم عصب الحياة الرئيسي لهذه المدينة، وتشكل اليوم وجهة سياحية للسوريين والأجانب، لذلك يتم ترميمها بعد أن تهالكت وفقدت بريقها، ويعمل اليوم فريق من المختصين على تجديد المحمدية الأخت الكبرى للنواعير.

 حماة (سوريا) - يجهد محمد سلطان في ترميم أكبر نواعير مدينة حماة بوسط سوريا، محاولا هو ورفاقه، وهم آخر عمال الصيانة المتخصصين في هذا المجال، أن يعيدوا تشغيل دولابها الخشبي الضخم على ضفاف نهر العاصي.

وتعدّ النواعير التي كانت تستخدم أساسا لري البساتين المجاورة، وفق منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، إرثا فريدا من نوعه “لا في سوريا فحسب، ولكن في العالم بأسره على الأرجح”.

ويقول الباحث الأثري نايف قدور، أن اسم الناعورة اشتق من صوتها أي نعيرها، وتسمى أيضا الدولاب أو الناعور، وطبيعة نهر العاصي المتعرجة وانحداره لعبا دورا كبيرا في وجود مثل هذا الاختراع.

بقيت النواعير التي لطالما ارتبط اسمها بحماة، بمنأى عن الحرب في سوريا، لكنّ بعضها توقّف تدريجيا عن الدوران، إما بسبب تعرّض ألواحها الخشبية المعمّرة للسرقة أو الحرق، أو جراء تعذّر صيانتها على غرار ناعورة المحمدية، أكبر نواعير حماة وأقدمها.

والمحمدية هي الأخت الكبرى لنواعير عديدة كان عددها 105 نواعير، منها 25 ناعورة داخل مدينة حماة ويعمل منها 17 فقط. وبينما يعمل محمد ورفاقه في ترميم “المحمّدية”، يلتقط عدد من المارة صورا تذكارية أمام ناعورة أخرى لم تتوقف عجلتها عن الدوران. وتتعالى ضحكات أطفال يقفون قربها وخلفهم أشجار خضراء وبناء حجري أثري، في مشهد يبدو وكأنه خارج الزمن.

يدقّ محمد (52 عاما)، والعرق يتصبّب على جبينه، مسمارا تلو الآخر في عجلة الناعورة محاولا تثبيت لوح خشبي جديد، بعدما اهترأ الجزء الأكبر من ألواحها.

ويقول، “واجبنا أن نعيد الحياة والحركة إليها، فالنواعير روح مدينة حماة، ومن دونها تبدو المدينة ميتة ومن غير ألوان”.

ويبلغ قطر ناعورة المحمدية 22 مترا وعدد صناديقها 121، ويعود بناؤها إلى العام 1361 وفق منظمة اليونسكو التي ترجّح أن يعود تاريخ إقامة النواعير عموما إلى الحقبة العربية في القرون الوسطى. إلا أن العثور على فسيفساء تعود إلى العام 469 ق.م، تحتوي على رسم للناعورة، مما يعني أنّ النواعير قد صنعت قبل وقتٍ طويل من حقبة العصور الوسطى.

وقد ذكر الرحالة المغربي ابن بطوطة حماة ونواعيرها في كتابه عن رحلته الكبرى الذي سماه، “تحفة النظّار في غرائب الأمصار”، بقوله، “حماة هي إحدى أمهات الشام الرفيعة ومدائنها البديعة ذات الحسن الرائق والجمال الفائق، تحفها البساتين والجنات، عليها النواعير كالأفلاك الدائرات يشقها النهر العظيم المسمى العاصي”.

ويتسلّق محمد الذي يعمل منذ 22 عاما في ترميم النواعير، بخفّة درجا حجريا ملاصقا للناعورة، حتى يتمكن بإحكام من إكساء دولابها شبه العاري بألواح خشبية جديدة.

ويوضح الرجل الذي يغزو الشيب شعره “أشعر أنني أقدم شيئا لمدينتي حين أعمل مع زملائي على إصلاح النواعير. إنّه الأمر الوحيد الذي أجيده في حياتي”.

ويضيف “أنسى كل تعبي عندما أراها تعاود الدوران”.

النواعير تحيي زوار حماة
النواعير تحيي زوار حماة

وتتألف الناعورة من قلب واحد وهو وحده من يصدر صوت أنينها المميز، يتم تثبيت القاعدة عليه، ثم الدوائر الداخلية والخارجية المتصلة ببعضها عبر أنواع مختلفة من أخشاب شجر الجوز والصنوبر والحور والسنديان المعمرة.

ويشرح رئيس دائرة النواعير عهد سبع العرب، أنّ الهدف منها قديما كان رفع مياه نهار العاصي من مجراه المنخفض إلى الأعلى ليطال مستوى البساتين المرتفعة، بالإضافة إلى نقل المياه للمنازل والمساجد والحمامات الشعبية المجاورة.

وتقنية عمل الناعورة لم تتغير على مرّ الأزمنة والعصور، فما زالت تلك الآلة الدائرية المائية دائمة الحركة، تقوم بحمل الماء إلى مستوى أعلى من النهر دون الحاجة إلى أي جهد بشري حيث تنقل 2400 لتر من الماء في كل دورة لها.

وبات ترميم النواعير اليوم عملية صعبة وفق قوله، جراء “النقص الحاد في الكوادر الذين يُجيدون ويُتقنون صيانة النواعير” من جهة، ولأن “تأمين أنواع معينة من الخشب المعمّر لم يعد مهمة سهلة نظرا لقلة المواد الأولية وارتفاع ثمنها خاصة” من جهة ثانية.

وكل قسم من أقسام الناعورة يحتاج إلى نوع معين من الأخشاب فمنها ما يتطلب أخشابا قاسية كالذي يدخل في صناعة قلب الناعورة وبعضها يتطلب أخشابا طويلة كوشاح الناعورة الذي يبلغ طوله 11 مترا. أما المسامير المستخدمة في الناعورة فهي من الحديد الصلب، ويتم صنعها بشكل يدوي في حماة ويترواح طولها بين 40 إلى 60 سم.

تراجع عدد العمال المتخصصين في صيانة النواعير وترميمها من 35 إلى تسعة فقط، بعد وفاة عدد منهم وهجرة آخرين خلال سنوات الحرب.

وشكّلت النواعير قبل اندلاع الحرب وجهة أساسية “للزوّار السوريين والأجانب، ومراكز تنزّه للحمويين”، وذلك وفق سبع العرب الذي يأمل “مع عودة دورانها أن يعود الزوّار إلى ساحاتها”.

ورغم أن النواعير فقدت وظيفتها الرئيسية في تأمين المياه سواء للري أو الاستخدام المنزلي مع التقدّم التكنولوجي منذ عقود، إلا أن السلطات المحلية تولي بقاءها اهتماما خاصا.

ويؤكد رئيس بلدية مدينة حماة عدنان طيّار، “ما زلنا مهتمين بصيانة وإصلاح هذا المعلم الأثري لما له من مكانة رمزية”.

ويضيف، “لا يُمكن لأي شخص أن يزور مدينة حماة، دون أن يلقي التحية على النواعير من إحدى الطرق التي يسلكها ذهابا وإيابا”.

ورغم المدخول الضئيل الذي يجنيه من عمله في خضمّ أزمة معيشية خانقة تشهدها سوريا، يعتبر عامل الصيانة إسماعيل، أن الحفاظ على نواعير حماة واجب لا بدّ منه.

يشرح الرجل الخمسيني وهو يضع نظارته الطبية، ويتنقل بخفّة بين جانبي ناعورة المحمّدية، أن إصلاحها عبارة عن “عمل يدوي بالكامل، إذ لا توجد حتى محرّكات تدفع العجلات للدوران”.
ويبدي أسفه عن كون “مهنتنا متوارثة عن الآباء، لكننا لن نستطيع توريثها للأبناء”.

ويبدي فخره بالنواعير التي تزيّن صورتها العملة الورقية من فئة مئتي ليرة. ويقول “النواعير بالنسبة إلى مدينة حماة أشبه بالعمود الفقري في الجسد”.

20