الأخضر الإبراهيمي.. ذراع القوى الكبرى أم حمامة سلام

الأحد 2013/09/22
سياسي ومفاوض محنك

الجزائر – هو الدبلوماسي المخضرم، الأخضر الإبراهيمي، الذي قضى شبابه وعمره في خدمة قضية وطنه، وقضايا الإنسانية. وقبل تكليفه بالملف السوري التقته "العرب" بنادي الصنوبر، غربي العاصمة الجزائرية، وكان حينها منهكا. لكن نبرة كلامه كانت توحي بأن الرجل أكثر تحررا من التحفظ الذي لازمه طيلة مسيرته لأنه لم يتوان حينها في انتقاد سلطات بلاده إزاء أحداث "الربيع العربي"، وكذلك واشنطن على خلفية مواقفها من صراع الشرق الأوسط.

الأخضر الإبراهيمي الذي يكون قد حمل في شخصيته، اتساع بلدة " العزيزية" وانبساطها التي رأى فيها النور، في شكل نفس طويل وقدرة على التحمل. بدليل أنه قبل تحمّل عبء المعضلة السورية حين اعتقد الكثير أن الرجل يتجه نحو تقاعد متأخر، وهو على مشارف الثمانين.

ولم يكن ذلك بالمفاجئ، بما أن انتماءه لجيل ثورة التحرير الجزائرية، يجعله ملبيا لنداء الواجب في كل الظروف. سيما وهو القائل لما سئل عن إمكانية استقالته من منصب وزير الخارجية الجزائرية، في مطلع التسعينيات: "انتمائي لجيل التحرير لا يسمح لي بترك السفينة ومخاطر الغرق تهددها".

يتيم.. لكن نابغة

تلك هي إحدى مقومات ذلك الدبلوماسي الذي جاء إلى هذا العالم في عز الاستعمار الفرنسي للجزائر، ولم يشفع لوالده الذي كان موظفا لدى الإدارة الاستعمارية، أن يسلم مولوده من مظاهر الفقر والتخلف.

ولد الأخضر مريضا ليس كباقي الأطفال، ولما كانت إمكانيات التطبيب غير متاحة للأهالي آنذاك فقد حملته والدته إلى أحد شيوخ البلدة لمعالجته على عادة الجزائريين آنذاك، فقرأ الشيخ قرآنا ومسح على رأس الطفل، وخاطبها قائلا: " خذي ابنك، هذا الذي بين الحياة والموت سيشفى ويعيش ويصبح ذا شان عظيم".

هذا جزء من الجوانب الخفية في شخصية الأخضر الإبراهيمي، الذي رواه لـ " العرب" أحد أفراد العائلة. فقد ولد في في الأول من يناير 1934، ببلدة العزيزية التي تتبع محافظة المديّة، وتقع جنوبي العاصمة بنحو 150 كلم. ولا يوجد أي رابط بين عائلته وعائلة شيخ الإصلاح في الجزائر، البشير الإبراهيمي، ونجله احمد طالب، الذي شغل عدة مناصب وزارية ودبلوماسية في حكومات سابقة، وهي العائلة التي تنحدر من محافظة سطيف شرقي العاصمة.

الأخضر ينتمي لعائلة بسيطة تشتغل في الزراعة وهو الطابع الغالب لبلدة العزيزية وضواحيها. ولأن الوالد صالح كانت أمنيته أن يرى إبنه في مقاعد الدراسة، فألحقه بزاوية البلدة لحفظ القرآن وتعلم أصول اللغة العربية.

ولأن الموت أخذ الوالد مبكرا، فقد عاش الطفل يتيما، وتكفل به أخواله في مدينة عين بسام القريبة من البلدة، وهناك التحق بإحدى المدارس الأهلية، التي توج فيها بالجائزة الأولى في المسابقة العامة للغة العربية المفتوحة لطلاب الثانويات بكل من فرنسا وإفريقيا الشمالية.

وإثر ذلك مباشرة، التحق بكلية الحقوق ومدرسة العلوم السياسية بالجزائر العاصمة، ثم انتقل بعدها إلى العاصمة الفرنسية، باريس، في شهر سبتمبر من سنة 1955 لاستكمال دراسته.

هناك اختارته جبهة التحرير الوطني ليكون سفير ثورة التحرير في أندونيسيا ومنطقة آسيا، فسافر غلى جاكرتا رفقة صديقه وزميله، وزير الخارجية السابق الراحل محمد الصديق بن يحيى، ليكونا ممثلين لجبهة التحرير في المنطقة التي كانت تعيش زخم حركات التحرر.

استلم المهمة وهو في الثانية والعشرين من عمره، لتكون بداية مسيرة حافلة بالانجازات الشخصية والعامة. لينتقل بعدها إلى القاهرة كمبعوث للحكومة الجزائرية المؤقتة. وعيّن أول سفير للجزائر المستقلة في مصر عام 1963.

للقاهرة مكانة خاصة

الإبراهيمي الذي يوصف في مصر بأنه ابن ثورتين عريقتين، ابن طبيعي لثورة الجزائر وابن بالتبني لثورة مصر عام 1952، يحمل للقاهرة حباً وانبهاراً ويذكر في أحد تصريحاته "أذكر أني لم أضع ربطة العنق، خلال السنوات التي قضيتها في القاهرة، كنا نقضي الليل من بيت إلى آخر أو في "نايت آند داي"حتى الفجر، لويس عوض ومحمد عودة ورمسيس يونان وأنجي رشدي ولطفي الخولي وأحمد بهاء الدين وآخرون. كنت قريباً جداً من هيكل ولطفي ومحمد سيد أحمد".

ويضيف: " كانت أياماً ساحرة زاخرة بالنشاط والفكر والفن والأدب، وهي الأيام التي أقمت فيها شبكة علاقات واسعة بمثقفي البلاد العربية ومفكريها، وبخاصة سوريا والعراق ولبنان".

ويتابع: "إن نسيت لن أنسى الندوة التي عقدناها في الجزائر في مايو، أي قبل الحرب هناك وخلال انعقاد الندوة أعلن عبد الناصر إغلاق خليج العقبة. كانت كافة فصائل الحركة القومية العربية موجودة، كان هناك عبد الخالق محجوب وكمال جنبلاط. هناك خرجت فتح إلى العلن وتحدث فاروق القدومي باسمها لأول مرة، وكان هناك أحمد بهاء ولطفي الخولي، اللذان كلفتهما الحكومة المصرية بالتوجه من الجزائر إلى أوروبا لشرح الموقف المصري قبل الحرب. كان الأمل في الندوة أن تستمر مفتوحة لتتوحد من خلالها كافة الحركات السياسية في العالم العربي. لم يتحقق الأمل بل (اندفن) يوم 5 يونيو".

ويقول أيضا: " كنت أنا وبن يحيى لا ننوي العودة إلى الجزائر، وكانت خطتنا أن نبقى في القاهرة بعد عودتنا من أندونيسيا لنقيم في مكتب جبهة التحرير الجزائرية في القاهرة. وفي القاهرة وصلتنا تعليمات بأن يتوجه محمد بن يحيى إلى يوغسلافيا ليدير مكتب الجبهة هناك، وأبقى أنا في القاهرة لأتعلم الإنكليزية قبل استلامي العمل مديراً لمكتب الجبهة في نيودلهي، وهو ما لم يتحقق إذ سرعان ما قررت الجبهة تعيين شاب آخر من شباب الثورة واسمه شريف جلال لهذه المهمة".

وللأخضر الإبراهيمي علاقات وطيدة مع الزعيم عبد الناصر ومن بين ما يقوله: "يوم 4 يونيو كان عبد الناصر كالجبل الشامخ، ويوم 10 يونيو كان محطماً. قبل 5 يونيو/ حزيران كانت أطول فترة يستطيع قريب منه أن يجلس معه مدة لا تزيد على نصف ساعة. وبعد 10 يونيو، كان يدعوني للقاءات يستمر بعضها أحيانا إلى ساعتين أو ثلاث كان يشعر بوحدة قاسية".

الدبلوماسي المحنك يعد إحدى الموسوعات المحدودة في العصر الحديث، والتي تحفظ في ثناياها أسرار النزاعات والحروب وملفاتها. وهو الذي قضى ثلاث سنوات في بيروت تحت القصف والتهديد، من أجل هندسة اتفاق "الطائف" في 1991 كمكلف من قبل الأمين العام السابق للجامعة العربية، الشاذلي القليبي. وهو اتفاق طوى 17 سنة من الاقتتال والحرب الأهلية في لبنان.

يروي الإبراهيمي قصة ارتباطه بزوجته بالقول: " كان والد ميليسا (زوجته) قبطاناً من كرواتيا، رحل عنها عقب انتهاء الحرب إلى إيطاليا، حيث عمل قبطاناً لسفينة تجارية تملكها الملكة دينا عبد الحميد. وعندما نشبت ثورة الجزائر قرر الانغماس في أنشطتها والعمل من أجلها، بأن وضع سفينته تحت مشيئة الثوار واستخدمها في نقل أسلحة من مصر إلى الجزائر عبر إسبانيا. مات في البحر واستمرت زوجته وابنته تعيشان في الإسكندرية. وفور علم أحمد بن بلة بنبأ وفاة القبطان الذي قدم خدمات جليلة للثورة الجزائرية، أوصاني بالأسرة خيراً. ومذاك قامت علاقة عاطفية مع الإبنة توجت بزواجي منها، وهو الزواج الذي أثمر أحمد وريم الصحفية قبل أن تتزوج الأمير علي بن الحسين من الأردن".

مهندس اتفاق الطائف

بعد المهمة الموفقة في لبنان، وبعد شغله لمنصب مستشار سياسي للرئيس الراحل الشاذلي بن جديد في مطلع الثمانينات، تم تعيينه كوزير للخارجية، وعضو بالمجلس الأعلى للأمن، في عز الأزمة الأمنية والسياسية التي أعقبت توقيف المؤسسة العسكرية للمسار الانتخابي الذي اكتسحته في العام 1991 جبهة الإنقاذ الإسلامية.

ورغم أن الرجل لم يكن مرتاحا لقرار المؤسسة العسكرية، إلا أنه لم يشأ أن يرفض الطلب لأنه كان يرى أن السفينة لا بد أن تخرج إلى بر الأمان برغم الأخطاء. وتذكر شهادات من قمة الوحدة الأفريقية التي انعقدت في دكار 1992، أن الرجل لم يتمالك نفسه، وذرف الدموع لما بلغه نبأ اغتيال الرئيس محمد بوضياف في 29 يونيو 1992 بمدينة عنابة. ولما سأله الصحافيون هناك إن كان يفكر في الاستقالة قال: "أنا أنتمي لجيل لا يؤمن بالعودة إلى الخلف".

و كان الإبراهيمي بعدها مبعوثا للأمم المتحدة في أفغانستان والعراق، كما عين مبعوثاً للأمم المتحدة إلى هايتي وجنوب إفريقيا واليمن وزائير في الفترة الممتدة بين عامي 1994-1996، وكلف من طرف الأمم المتحدة لحل تفاوضي في العديد من بؤر التوتر والتي كللت في العديد من الأزمات بنجاح، وبين عامي 1997 حتى عام 1999 كان مبعوثاً أمميا لأول مرة إلى أفغانستان.

وهو عضو في لجنة الحكماء وهي مجموعة مستقلة تضم عددا من زعماء العالم تأسست عام 2007 وتعمل من أجل السلام وحقوق الإنسان، وزار الإبراهيمي سوريا وقطاع غزة ومصر والأردن في أكتوبر عام 2010، في إطار مهمة للجنة الحكماء للنهوض بالسلام في منطقة الشرق الأوسط.

وتمتع الإبراهيمي بين أكتوبر 2001 وديسمبر 2004 بسلطة تامة على الجهود السياسية والإنسانية وإعادة الإعمار التي قامت بها الأمم المتحدة في أفغانستان، وخلال الاجتماعات التي عقدها مجلس الأمن حول أفغانستان، شرح الإبراهيمي وبشكل حازم، محدودية تحرك الأمم المتحدة.

ومن بين مهمتيه الأفغانيتين، أوكلت إلى الإبراهيمي مراجعة عمليات حفظ السلام في العالم انطلاقا من كونه مساعد الأمين العام للمهمات الخاصة، وترأس لجنة مستقلة أعدت عام 2000 "تقرير الإبراهيمي" الذي فند نقاط ضعف نظام حفظ السلام في العالم ورفع توصيات لتطويره على المستويات السياسية والعملية والتنظيمية.

وبعد تعيينه مطلع 2004 مستشارا خاصا للأمين العام للأمم المتحدة مكلفا خصوصا بتفادي النزاعات والعمل على حلها، اختير مبعوثا خاصا لعنان إلى العراق في الفترة الانتقالية التي تلت اجتياح عام 2003، ونسب إليه خلال مهمته العراقية انتقاده التعامل الأميركي مع مرحلة ما بعد الرئيس السابق صدام حسين، ولا سيما ما عرف بقانون "اجتثاث البعث".

أما المهمة الأحدث التي أوكلتها إليه الأمم المتحدة فكانت رئاسة فريق للخبراء عام 2008، كلف إصدار توصيات لتحسين أمن موظفي المنظمة الدولية في العالم، وتعود اتصالات الإبراهيمي مع الأمم المتحدة إلى فترة ما بين العامين 1956 و1961 عندما كان مقيما في جاكرتا كممثل لجبهة التحرير الوطني الجزائرية في جنوب شرق آسيا.

المهمة المستحيلة

يعد اختيار الإبراهيمي لخلافة عنان في سوريا، مهمة إضافية شديدة التعقيد للدبلوماسي المخضرم، والذي يعود إلى الساحة الدولية كلما ساد الاعتقاد أنه تقاعد، وقال الإبراهيمي يوما: لم أعتقد طوال حياتي المهنية أن هناك وضعا بلا أمل أو أنه من المستحيل تغيير الواقع القائم رغم كل ما يقال حولي. إلا أن المهمة التي توصف بالمستحيلة التي وافق عليها لتوه تثير شكوكا لدى بعض الدبلوماسيين الغربيين في الأمم المتحدة حيث قال أحدهم: ربما يكون الشخص الوحيد الذي يملك الشجاعة والمصداقية اللازمين في العالم الغربي للنجاح في هذا المسعى، لكن حتى هذا الرجل دائم التفاؤل يجب أن يعرف أنه يواجه وضعا ميؤوسا منه. ورغم إدراك الرجل لتعقيدات الأزمة السورية والتجاذبات القوية التي تخيم على محيط دمشق، بين نظام مدعوم من طرف روسيا وإيران وحزب الله، وبين معارضة منقسمة على نفسها تتداخل فيها الأجندات والمصالح الإقليمية والدولية، فإنه يصر على مخرج سياسي للأزمة ويدافع لأجل مؤتمر جنيف 2، أملا في جمع الفرقاء على طاولة حوار تنقذ سوريا والسوريين بعيدا عن الحسابات الإقليمية والدولية. وعليه ما فتئ يدعو إلى موقف دولي موحد من الأزمة السورية لو أريد إنجاح مهمته في تسوية الأزمة.

وصرح في إحدى مداخلاته: " إن الوضع في سورية يتدهور بشكل مستمر، إن عدد القتلى مذهل ووصل الدمار إلى مستويات كارثية، ومعاناة الناس هائلة". ويؤكد الإبراهيمي أن السوريين وحدهم هم الذين سيبنون مستقبل سوريا، مشددا على أهمية تقديم الدعم من المجتمع الدولي، وقال "إن ذلك الدعم لن يكون فعالا إلا إذا ضغط الجميع في نفس الاتجاه".

9