الأخطاء الستة التي قتلت 800 ألف إنسان

فجأة اكتشفنا أن هناك نقصا مروعا في المعدات الطبية وفجأة اكتشفنا أننا لا نعرف ماذا يجب أن نعرف لكي نتخذ القرار الصحيح، وظل الأمر يعتمد على تكهنات وعلى ردود فعل متفاوتة.
الأربعاء 2020/08/05
الوباء في أوجه

مع حلول نهاية هذا الأسبوع سوف يبلغ عدد المصابين بفايروس كورونا أكثر من 20 مليون إنسان. أما الوفيات فمن المرجح لها أن تبلغ نحو 800 ألف.

هذا الوباء بدأ في التفشي في نوفمبر الماضي، وتحول إلى جائحة عالمية في مارس من هذا العام، ولا يزال يبدو على أشد قوته.

كانت هناك ثلاثة أشهر من عدم اليقين حول سبل مكافحة الوباء. وطرحت نظريات عدة حول طبيعة الوباء وآليات انتشاره، إلا أن بعضها لم يكن صحيحا. العلماء بهذا المعنى يتحملون المسؤولية الأولى، ولكنها مسؤولية محدودة في ذات الوقت، لأن المعرفة المتاحة بالفايروس كانت محدودة بدورها، الأمر الذي يجعل العلماء عاجزين تلقائيا عن تقديم الإرشاد الصحيح. ومع الكثير من الانفعال والدهشة، فقد أصاب العلماء من مختلف أرجاء العالم ارتباك شديد، لاسيما وأن الضغوط السياسية عليهم بدأت ترتفع على نحو غير مألوف. حتى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون كانا لا يظهران للتعليق على تطورات الوباء إلا وفي جوارهما علماء. وكأنهما يريدان البرهان على أن حديثهما رصين، رغم أنه لم يكن كذلك دائما. بل يدل أكثر على أنهما لم يسألا العلماء الأسئلة المناسبة لجعل القرار سليما.

* لا تضع عالما تحت أي ضغط. ولا تجعله شريكا في اتخاذ قرار سياسي، لأنه سوف يرتبك. وتوجيه السؤال الخطأ، لا يعطيك الجواب الصحيح، حتى ولو كان المجيب عالما. لقد كان ذلك هو الخطأ الأول.

الكثير من السلطات من حول العالم لم تتخذ الإجراءات الوقائية الصحيحة في الوقت المناسب. ولم تكن تلك الإجراءات مبكرة بما يكفي. بريطانيا على سبيل المثال، ظلت تتفرج على تداعيات الوباء في إيطاليا، من دون أن تسارع إلى توفير وسائل الفحص والتتبع والمراقبة والعزل، ولا حتى وسائل التطهير والوقاية. وعندما وقع الفأس بالرأس، فقد كان الكثير من الوقت قد فات.

* لقد افتقدنا القدرة على التعامل السريع مع متطلبات الوقاية. وكان ذلك هو الخطأ الثاني.

وعندما بدأ التفشي يخرج عن السيطرة، فقد أصبح الإغلاق العام شرا لا بد منه. وهو ما كلف اقتصاد العالم تريليونات الدولارات، وهدد الآلاف من الشركات الكبرى، ومئات الآلاف من الشركات الصغرى، والملايين من العاطلين عن العمل. الأضرار الاقتصادية الجسيمة حملت الكثير من البلدان على الإسراع في رفع إجراءات الإغلاق، من دون أن يتوفر لها اليقين الكافي بأن الوباء سوف يتراجع بالفعل. فلم يتراجع، ولم تعد هناك قدرة على الإغلاق من جديد. لأن التكاليف أصبحت باهظة، ولم يعد بالإمكان زيادتها أصلا مهما كانت التكلفة البشرية.

ولو أن الإغلاق لم يحدث، أو لو أنه اقتصر على مصادر التفشي الأسرع، مثل وسائل النقل العام، وتم نقل كل الوظائف الممكنة إلى المنازل، وجرى اتباع وسائل الوقاية التي أصبحت موثوقة بحلول شهر أبريل، لكان بالوسع التقليل من الأضرار الاقتصادية وفي الوقت نفسه الحد من آليات التفشي.

الكثير من الدول لا تزال حتى هذه اللحظة لا تجبر كل المواطنين على ارتداء الكمامات حالما يجدون أنفسهم خارج المنزل. وفاتت القدرة، في إطار سياسات التتبع، على جعل الإغلاق القسري منزليا فحسب، لمن ثبتت إصابته بالوباء.

العزل الإجباري للمنازل التي توجد فيها إصابات، والارتداء الإلزامي للكمامات، وتوفير وسائل التطهير في الأماكن العامة، ونقل كل الوظائف الممكنة إلى المنازل، والفحوص السريعة في الدوائر المحتملة للإصابات،.. إجراءات كان بوسعها أن تحد من تفشي الوباء من دون إغلاق شامل يستمر لأشهر.

* الإغلاق الشامل ثبت أنه أدى إلى تعطيل الاقتصاد وتعريضه للخسائر، من دون أن يحقق تقدما فعليا في الحد من تفشي الوباء، ولا توفرت له القدرة من الأساس على التصدي للموجة الثانية، لأن استنزافه كان حادا. فكان ذلك هو الخطأ الثالث.

السباق الدولي من أجل التوصل إلى علاج ولقاح كان أنانيا إلى حد الفضيحة. فالانتهازية التجارية هي التي غلبت على مسالك الشركات الكبرى، بدعم وتحريض من حكومات دولها. هذا الأمر ظهر مُغلفا، على نحو شديد الكذب، بالحرص على توفير الحماية للمواطنين، ولكنه دفع الشركات التي لا تزال تخوض تجارب البحث عن علاج أو لقاح إلى أن تتحرك بمفردها، وفي الغالب سرا، لكي تحافظ على “حقوق الملكية الفكرية” لما تتوصل إليه.

هذه الجريمة لا تزال مستمرة. وليست هناك قوة على الأرض يمكن أن توقفها الآن. الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، كل يعمل بمفرده من أجل أن يكسب السبق التجاري والمعنوي.

فإذا كان هناك فشل استثنائي تستحق منظمة الصحة العالمية أن تحاسب عليه، فهو هذا على وجه التحديد.

* لقد كان يجب أن تجتمع الجهود في فرق تعاون دولي، تتبادل الخبرات والمعارف والاستكشافات على نحو مفتوح، وتخضع لإدارة وتنسيق منظمة الصحة العالمية. ويجري تمويلها وفقا لبرنامج خاص تشترك فيه كل دول العالم، وأن تكون النتيجة ثمرة لذلك التعاون وليس سباقا تجاريا من أجل الربح. ولقد كان ذلك هو الخطأ الرابع.

تأثيرات المرض الرئيسية على جسم الإنسان ظلت موضع الكثير من التكهنات والافتراضات. وعلاجاتها ظلت تجريبية، لتركز بالدرجة الأولى على أسوأ الأعراض، ومنها الاختناق الفعلي للمريض، بفشل رئوي حاد.

الأطباء الآن يعرفون أكثر مما كانوا يعرفون من قبل. ولو ذهب مصاب إلى المستشفى، فإنه سوف يتلقى علاجا أفضل ويحقق شفاء أسرع، بوسائل العلاج التقليدية، حتى من دون الحاجة لاستخدام أي من تلك العلاجات المستحدثة. ولقد اندلع التناحر حول هذا العقار أو ذاك، الأمر الذي استهلك الكثير من الوقت، وأضاع الكثير من الفرص لإنقاذ الكثير من المصابين. وعلى سبيل المثال، فإن تخثر الدم، كما ظل واضحا منذ البداية، كان واحدا من أهم أسباب الفشل العضوي الذي يؤدي إلى الوفاة. وكذلك الحال مع “عاصفة السيكوتين” وهي رد الفعل العنيف الذي يمارسه جهاز المناعة لدى المريض، فيقتله.

هذان العاملان يشكلان بمفردهما نحو ثلاثة أرباع أسباب الوفيات. وعلاجهما ممكن بعقاقير متاحة من الأساس.

* فشل المؤسسات الطبية في تناقل الخبرات ونتائج التشريح وغيرها من وسائل المعرفة، جعل هذه المؤسسات تعيش في حالة من الفوضى، وتجبرها على ممارسات تجريبية وغير منسقة. وهنا أيضا تتحمل منظمة الصحة العالمية واحدة من أكبر المسؤوليات عن العواقب الكارثية التي وجد العالم نفسه غارقا فيها. وهذا هو الخطأ الخامس.

القرار السياسي المضطرب كان واحدا من أهم أسباب الفوضى التي اجتاحت العالم. فجأة اكتشفنا أن المؤسسات الطبية غير مؤهلة لاستقبال مرضى هذه الجائحة، وأي جائحة أخرى. وفجأة اكتشفنا أن هناك نقصا مروعا في المعدات الطبية الضرورية. وفجأة اكتشفنا أننا لا نعرف ماذا يجب أن نعرف لكي نتخذ القرار الصحيح، وظل الأمر يعتمد على تكهنات، وعلى إجراءات وردود فعل متفاوتة. الرئيس ترامب وحده كان مصيبة قائمة بحد ذاتها، وظل كذلك حتى اعترف بأهمية ارتداء الكمامة، ولكن بعد فوات الأوان. وهو دفع الكثير من مواطنيه، مثله مثل الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، إلى الاستهانة بالمرض، أو اقتراح علاجات عشوائية، كانت بحد ذاتها تعبيرا عن استخفاف صريح بالعلم.

* السياسي، حتى في أسوأ الظروف، وأعنف الاضطرابات يجب أن يظل رأسه باردا، ويحرص على اقتفاء أثر العلم والمعرفة، وأن يتحاشى العشوائية والارتجال، ويتخذ قرارا غير مدفوع بعواطف، ولا مدفوعا بالمخاوف من عدم الفوز في انتخابات. وكان ذلك هو الخطأ السادس.

عندما تتعلق المسألة بحياة البشر، فإن الشراكة، والتعاون، وتبادل المعارف، وتوفير المستلزمات، والقرار الرصين، ليست فصولا من أعمال الرفاهية. إنها قواعد مقدسة.

ولئن أدت الأخطاء الستة، مع غيرها قطعا، إلى مقتل 800 ألف إنسان، حتى الآن، فإنها سوف تظل تقتل المزيد، فالمزيد، حتى تندلع جائحة أخرى، لنرى ما إذا كانت البشرية قد تعلمت درسا.

9