الأخلاقيات والعواطف

ليست هناك لائحة أخلاقيات مكتوبة يمكن قراءتها وحفظها وتكرارها، لأنّها ليست نقاطا عمياء ثابتة، وما يمنحها الحياة والتجدّد إلّا العواطف التي تسبغ عليها إنسانيّتها، وتصوغ الصورة التي ترضي ضمائر أصحابها، بعيدا عن أيّ ضغوط أو قلاقل.
الاثنين 2018/10/15
الكاتب لا يمكنه ترك مسافة من التأثر والتأثير (لوحة فؤاد حمدي)

غالبا ما تتمّ إضافة الأخلاقيات إلى مختلف تفاصيل الحياة، بحيث تكون لكل مجال أخلاقياته التي ترسم مدارات تحرك العاملين فيه، أو تنظم حركيتهم بصيغة ما.

هل تتداخل الأخلاقيات مع العواطف؟ هل يكون هناك تعارض بينهما؟ هل يؤثّر أحدهما على الآخر؟

يتخلّل الحديث عن الأخلاقيات والعواطف مختلف المهن والمجالات في الحياة، وبتخصيص الدائرة وتضييقها قليلا، والتركيز على عالم الصحافة والكتابة، يمكن التقاط مفارقات تساهم في صياغة صورة الصحافي الملتزم والكاتب الباحث عن إرواء شغفه بالبحث عن الحقيقة التي يتخيّلها، أو تلك التي يقتنع ويؤمن بها.

إن كان الصحافي مطالبا بنقل الحقيقة وقولها، فهل يفترض به التفكير في مَن سيقوم بتوظيف الحقيقة وآليات تجييرها وغايات مَن يقوم بذلك، أم لا يفترض به الشطط في التأويل، والاكتفاء بما عليه أن يقوم به، ويترك الأمور والتداعيات التالية لظروفها، ولآخرين يخضعونها بدورهم لأخلاقيات مهنهم وأدوارهم.

وإن كان يقال إن الصحافيين يمنحون المجتمعات الفرصة لأن ترى أنفسها، ويسلطون الضوء على المشكلات في المجتمع ويبرزون نجاحاته، فإنّ الكتّاب والروائيين يغوصون في أعماق تلك المجتمعات، يبحثون في المناطق المعتمة فيها، يكشفون عن المطمور في الزوايا القصية، ويخرجون الأسرار إلى العلن مثل الصحافيين، لكن مع التعبير عن موقفهم منها، واقتراحهم آليات معالجتها ومقاربتها.

“الأخلاق” علم عند سبينوزا الذي كتب كتابه “علم الأخلاق”، ومعيار لإنسانية الإنسان عند مَن قاربها من فلاسفة ومفكرين آخرين، وهي ربّما حصن الإنسان ضدّ نزواته وحتّى عواطفه التي قد تخرجه عن طوره وتدخله في متاهات معينة أحيانا، وتحت ضغط ظروف قاسية لا يستطيع مقاومتها والصمود أمامها.

خاض الباحث الأميركي رون أف سميث في كتابه “أخلاقيات الصحافة” في الواجبات والمسؤوليات التي يفترض أن يلتزم بها الصحافيون في مهنتهم، وكيف أن الكثيرين منهم يقعون في تناقضات وصراعات بين ما يجب أن يكتب ويعلن عنه وما يتم نشره، وواقع تضارب المصالح والملكية واختلاف زوايا النظر والرؤى والتوجهات التي تؤثر على العمل الصحافي.

ربّما لا يطالب الصحافي باتخاذ موقف من الخبر الذي ينقله، أو الصورة التي يلتقطها، أو الحدث الذي يتناوله، ويحاول التعامل معه بمهنية قدر الإمكان، لكن لا يمكن للروائي أو الكاتب أن يزعم ترك مسافة من التأثر والتأثير، وأن يفرض على نفسه التعاطي مع الحدث ببرود..

لا يخفى أنّه ليست هناك لائحة أخلاقيات مكتوبة يمكن قراءتها وحفظها وتكرارها، لأنّها ليست نقاطا عمياء ثابتة، وما يمنحها الحياة والتجدّد إلّا العواطف التي تسبغ عليها إنسانيّتها، وتصوغ الصورة التي ترضي ضمائر أصحابها، بعيدا عن أيّ ضغوط أو قلاقل.

15