الأخوان ملص لاجئان بولنديان في مسرح باريسي

الأحد 2017/02/26
اعتمد الأخوان في العرض على الإطار العام فقط لنص «المهاجران» للبولندي سلافومير مروجيك

لم يتوقف الأخوان السوريان أحمد ومحمد ملص عن العمل والإنتاج الفني منذ مغادرتهما لسوريا، سواء على الصعيد السينمائي أو المسرحي، فالعديد من أفلامهما عرضت في مهرجانات عالميّة، ونالت عددا من الجوائز، حالياً عاد الأخوان للعمل المسرحي، إذ يشهد مسرح “بيكسل” شمالي باريس عرض “اللاجئان” للأخوين ملص، ضمن مقاربة تراجو-كوميدية لوضعية اللاجئين في فرنسا والمعاناة والصعوبات التي يواجهونها في مدينة الأنوار.

اعتمد الأخوان في العرض على الإطار العام فقط لنص “المهاجران” للبولندي سلافومير مروجيك عبر دلالات المكان والحدث الذي يفتتح العرض، في حين أن الموضوعات وطبيعة الأداء المرتبط بشخصية “اللاجئين” كانت من اختيارهما، وأول ما يبرز في العرض هو استخدام اللغة الفرنسية بوصفها العقبة الأولى أمام المهاجرين الجدد، وخصوصاً أن “اللاجئين” يتحدثان الفرنسية فيما بينهما، فلا لغة تواصل سوى لغة “الآخر” الغريب، ولا يجمع بينهما سوى الحنين للعائلة، والصعوبات البيروقراطية والاجتماعية، إلى جانب الحلم بأن يكونا “فرنسيين”.

هذه الموضوعات على اختلافها تلامس الجانب الحياتي والمعيشي للمهاجرين واللاجئين، بوصفهم خاضعين لهيمنة النظام البيروقراطي الفرنسي، ويتشاركون عوالم الوحدة التي تعمّق مأساتهم، والوهم بأن العالم لا بدّ أن يصبح أفضل، ولا بد لهم أن يروا الشمس حسب تعبيرهما.

العرض يقدم الحلم الرومانسي المرتبط بباريس، الموسيقى والمسرح والسينما والنزهات في الشوارع والوقوع في الحب وغيره من التخيلات المرتبطة بالمدينة، كذلك يرسم الصورة النمطية والتعميم الذي يمتلكه الكثير من اللاجئين بأن الحياة في العاصمة الفرنسية شكلها كما الأفلام السينمائية

العرض يصور جانبين من فرنسا، الأول المرتبط بالصورة النمطية المثاليّة وسعي “المهاجرين” لتقمص هذا المتخيّل، والآخر يمثل الجانب الأقل إشراقاً، المعاملات الورقية المعقّدة وصعوبة الحياة والتعامل مع “الآخر”، فهاتان المقاربتان تنطبقان على كافة “الغرباء” باختلاف مرجعياتهم، صيغة الضحية لا يمكن الفكاك منها، مهما كان البلد أو المكان الذي أتى منه هذا الغريب، فالجميع متساوون بوصفهم ضحايا الأنظمة القمعية التي تكتم أنفاسهم، وضحايا “النظام” الجديد وتقنيات الاندماج التي يستخدمها.

ما زال الأخوان ملص منذ بداية “مسرح الغرفة” في دمشق منذ عدة سنوات يعتمدان على تقنيات الإضحاك الجسدي والمفارقات اللغوية، فالمبالغة بالأداء أحياناً تحضر بوصفها بديلاً عن العامل اللغوي، فلا مهارة جسدية في الحركات الرياضية أو الرقص، وبالتالي الإبهار أو الاستعراض للقدرة الجسدية ليس الهدف، بل نراهما يلجآن للمقاربات الكاريكاتورية وتضخيم العيوب بوصفها عيوبا، لا لانتقادها، بل لخلق روتين الإضحاك والاعتماد على مرجعية المتلقي عن الشخصية النمطية المرتبط باللاجئ من جهة، وبالمؤدي المسرحي من جهة أخرى.

العرض يقدم الحلم الرومانسي المرتبط بباريس، الموسيقى والمسرح والسينما والنزهات في الشوارع والوقوع في الحب وغيره من التخيلات المرتبطة بالمدينة، كذلك يرسم الصورة النمطية والتعميم الذي يمتلكه الكثير من اللاجئين بأن الحياة في العاصمة الفرنسية شكلها كما الأفلام السينمائيّة، وأغلب الصعوبات التي يمر بها اللاجئون هي نتيجة هذا الاختلاف بين الواقع وبين الصورة المتخيّلة، وهنا تكمن معالم الرومانسية، حيث يتنامى الوهم المثالي، ويبقى الواقع عقبة في وجه الوصول إليه، لنرى الانعكاسات النفسية المرتبطة بهذا النوع من الفصام، موجات الغضب المفاجئة، ادّعاء القوة وعدم الحاجة للآخر، ثم فجأة، الانهيار العاطفي والرغبة في الوقوع في الحب، ليُطرح التساؤل، أمن الممكن أن تكون في باريس ولا تقع في الحب؟

لا يمكن إنكار شجاعة الأخوين ملص وتقديم عرض باللغة الفرنسية لجمهور فرنسي، والقدرة على “إضحاكهم”، عبر تلمّس معالم الثقافة الفرنسية والحياة اليومية في فرنسا، كالميل للعزلة لدى الفرنسيين، والبرمجة المسبقة لحياتهم اليومية التي ينطبق عليها مثل “ميترو، عمل ثم نوم” (Métro boulot, dodo) إلى جانب الإضرابات الكثيرة التي تشهدها وسائل النقل، فالكوميديا لم تكن فقط نتيجة وضعية “اللاجئ” والمفارقة بينه وبين “الفرنسي”، بل أيضاً عبر توجيه الانتقادات للمجتمع الفرنسي بصيغة مبالغ فيها، وتعكس بعض جوانب الصحة بالصورة النمطيّة، والتي لا يمكن سوى للغريب تلمّسها، في حين أن من يمارسها لا تتضح له، بوصفها تنتمي لمنظومته القيميّة.

كاتب من سوريا

14