"الأخوان والأسود" مسرحية كوميدية تستعرض مساوئ الرأسمالية

“الأخوان والأسود” التي تعرض حاليا في مسرح الجيب بباريس هي مسرحية مستوحاة من قصة من الواقع، بطلاها توأمان عصاميان يشقان طريقهما في عالم المال، ويتحولان بعد الثراء الفاحش إلى وحشين عديمي الشفقة، ومن خلال سيرتهما يدين المخرج هادي تيات دو كليرمون تونير مساوئ الرأسمالية.
الاثنين 2018/01/08
لن نفرط في شيء

يعتبر هادي تيات دو كليرمون تونير من الجيل الجديد من رجال المسرح الذين يمارسون التأليف والتمثيل والإخراج، سبق أن ألف عدة مسرحيات مثل “أم كلثوم، أنت عمري”، و”فقدت إيماني” الفائزة بجائزة بومارشيه، و”الأخوان والأسود” التي فازت منذ سنتين بجائزة النقد في مهرجان أفينيون.

وهذه المسرحية التي تعرض حاليا في مسرح الجيب الباريسي بطلاها أخوان من أسكتلندا جاءا إلى الدنيا بفارق عشر دقائق، يجلسان أمام قدحين من الشاي في صالون “بريتيش” تزينه لوحة الإيطالي رفاييل “سيدة الجدي”، وكلاهما يرتدي “جوكينغ” أزرق، بعد أن بلغا السبعين من العمر، وصارا من كبار الأثرياء، ليرويا قصتهما.

قصة طفلين من أحد الأحياء الفقيرة، شقا طريقهما بعزيمة من فولاذ دون اعتبار لأي قيمة أخلاقية، فالغاية عندهما تبرّر الوسيلة، فاكتسحا عالم المال اكتساحا لا يقبل منافسة، ولا يصمد أمامه شيء ولا بشر، حتى جمعا ثروة من أضخم ثروات بريطانيا في نهاية القرن العشرين، ولكنهما كانا مع ذلك حريصين على التكتم، والتخفي، فلا شيء ينبغي أن يظهر، متمثلين شعار “الظل خير من النور في المسائل المالية”.

وهذان الأخوان اللذان بدآ حياتهما بائعين جوالين لجريدة “ديلي تلغراف”، وآل بهما المطاف إلى نيل تشريف الملكة بلقب النبالة، يسترجعان مسيرة حافلة بالنجاحات، من المضاربات في البورصة وشراء العقارات إبان الطفرة اللندنية في سبعينات القرن الماضي إلى امتلاك الفنادق والوكالات الإشهارية وشركات البناء، وتلك الصحيفة التي كانا يبيعان نسخا منها كل يوم، وأخيرا اقتناؤهما جزيرة بريكهو الأنكلونورماندية، وهي جنة ضريبية حوّلاها إلى جنة سياحية.

وهذه الجزيرة كانا ينويان توريثها لابنتيهما، ولكن القانون الإقطاعي الساري في تلك الجزيرة يمنع توريث النساء، ويجعله حكرا على الرجل، لأن المرأة في تقدير من سنّوه جنس أحمق، فلم يقبلا ذلك القانون الذي اعتبراه جائرا، ورفعا قضية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فما لبثت أن استجابت لطلبهما فأقيمت في الجزيرة انتخابات أدت إلى تغيير القانون النورماندي، وصار بإمكان البنتين وراثة الجزيرة، لتحويلها إلى مدينة ألعاب.

إلى أي حد تسمح الديمقراطيات الغربية للأقوياء بفرض إرادتهم وإجبار البرلمانات على تغيير قوانينها تلبية لنزواتهم

المسرحية تقدم مثالين بارزين عن النجاح الاقتصادي والاجتماعي في مجتمع الاستهلاك، طفلان شاطران لم يأتيا إلى لندن للتسوّل أو القناعة بالأعمال الهامشيّة، بل للخروج من وضع البؤس الذي هما فيه، ليرتقيا السلم الاجتماعي، ولكن دون تسامٍ أخلاقي، إذ فاقا في سلوكهما أصحاب الثراء، بعد أن كانا أيام الفاقة والعوز ينتقدان تلهّفهم إلى المال.

قد تبدو الحكاية لأول وهلة كلبية المنحى، أي لا تعترف بالأعراف، لأنها تركّز على الانتهازية، والاستهانة بالقيم، والأنانية المفرطة، وعدم الشعور بالذنب، ولكن الممثل هادي تيات في دور الأخ الأكبر، ورفيقته ليزا باجون المتنكّرة في هيئة الأخ الأصغر، وُفِّقا في إعطائها دفقا من الحياة، بتوخي إيقاع سريع وأداء مضبوط بدقة وحسبان، وحوار طريف مع الجمهور خلال عرض وجيز لم يتعد الخمسين دقيقة.

ونجح الثنائي في إضحاك الجمهور عبر مواقف تدين مساوي الرأسمالية المتنصّلة من كل قيد دون الوقوع في الخطاب المباشر أو الكاريكاتير، باستثناء صورة العم بيكسو (إحدى شخصيات والت ديزني) حين حلّت على شاشة الخلفية محل لوحة رافاييل.

تلك الشاشة التي تعاقبت على صفحتها مشاهد مؤثرة عن الحي البائس الذي كان يقيم فيه الأخوان، ما يوحي بما عانياه في صغرهما في مجتمع غير متكافئ، ذلك أن العرض يقوم في جانب كبير منه على الإيقاع، فأمام الصور الظرفية التي تتواتر بحسب الخطاب، يبدو الممثلان في زيّهما الأزرق مندفعين اندفاع الأخوين في سعيهما المحموم لتكديس المال، سواء في حركاتهما وفي خطابهما المتبادل، وكأنهما يريدان قول كل شيء في خمسين دقيقة عن خمسين سنة شهدت صعودا رأسماليا جنونيا لذينك الأخوين، متمثلين شعارا مفاده “لن نفرّط في شيء”.

هي قصة حقيقية لا محالة، ولكنها أيضا تصوير لتغوّل الليبرالية وبؤسها في شكل كوميديا ذات سخرية لاذعة وبمنحى سياسي، تتخلّلها عدّة ثيمات كالجشع والبحث الدائم عن المال والنفوذ، دون أن يكون الدافع من وراء ذلك مجدا أو شهرة، ما يدفعنا إلى التساؤل ما إذا كان ذانك الرجلان سعيدين؟

لا سيما أن رجال السياسة ووسائل الإعلام وحتى الملكة إليزابيث تردّهما دائما إلى أصولهما الفقيرة، كما هو الشأن مع الفرنسي برنار تابي والإيطالي سيلفيو برلسكوني؛ وما إذا كانت الرغبة الدائمة في الامتلاك تمنعهما من الاقتناع بما يستطيعان الحصول عليه.

كما أن النهاية تدفع إلى التفكير، إلى أيّ حدّ تسمح الليبرالية لبضعة أفراد بالتربّع على ثروات لا تحصى بينما السواد الأعظم من البشر، في البلد نفسه، يعاني الفقر والخصاصة؟ وإلى أي حدّ تسمح الديمقراطيات الغربية للأقوياء بفرض إرادتهم وإجبار البرلمانات على تغيير قوانينها تلبية لنزواتهم؟

16