الأخوان وانلي رسامان أنقذا الفن المصري من وصفته الجاهزة

الأحد 2015/10/04
ظلان من الاسكندرية حولاها إلى مرآة للعالم

يمكن النظر إليهما منفصلين، فلكل واحد منهما أسلوبه الفني الخاص به والذي يميزه عن سواه من فناني مرحلتهما المصريين، كان سيف هو الأكبر عمرا من أخيه أدهم الذي سبقه إلى الموت.

وكان سيف أيضا الأكثر عمقا في بحثه الفني من جهة تطلعه إلى الجري وراء الاتجاهات الفنية السائدة في أوروبا ومحاولة الاقتباس منها، غير أن أدهم الذي انشغل بالعمل في الصحافة بشغف رسام الصور الشخصية، كان هو الآخر ميالا إلى تقليد رسامي البورتريه العالميين، لكن بخفة روح لم يكن سيف يمتلكها.

الضالة التصويرية

ومع ذلك فإنهما كانا يكملان بعضهما. ربما كانت الاسكندرية التي ولدا فيها وانغمسا في أجوائها ورسما كل شيء فيها، كما لو أنهما عضوين في بعثة استكشافية هي السبب التي صنعت من أخوتهما ظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ الفن المصري المعاصر.

لقد عثر الاثنان على ضالتهما التصويرية في المدينة الهيلينية فانفتحا على حياة أسطورية تجمع بين الواقع والخيال، فكانت رسومهما تنتقل بخفة بين عالم واقعي لم يتخليا عن خفته المستلهمة من البحر وبين عالم متخيل أضفيا عليه ولعهما بالسريالية طريقة في الحلم الكثير من الجوانب الملغزة التي تشف عن ميل فطري لديهما إلى الفكاهة التي لم تأت سوداء على طريقة السرياليين.

شكل سيف وأدهم وانلي ظاهرة فنية فريدة من نوعها، حين عقدا قرانا لا ينفصل بين الحياة اليومية والتاريخ، في مدينة استوعبت بعمق كل دروس المارين بها، لتخرج بدرسها الجمالي الخالص الذي هو مزيج لغات وأفكار وأساليب عيش. وهو الدرس الذي سعى الأخوان وانلي إلى أن يكون نهجا فنيا لهما وهما يشقان الطريق في اتجاه قلب مدينتهما بالرسم.

بعد أربع بنات ولد سيف عام 1906 في عائلة ذات نفوذ تنتمي إلى أعلى طبقات المجتمع المصري. بعده بسنتين ولد أخوه أدهم. كان قصر العائلة بما احتواه من تحف ولوحات الفضاء الرحب الذي نمت في إطاره موهبتهما الفنية.

منعهما خوف العائلة من جنود الاحتلال الإنكليزي من الانخراط في الدراسة بالمدارس المصرية، فكان أن تعلما اللغة والموسيقى على أيدي معلمين استقدموا إلى القصر من أجل تلك الغاية.

حكايات تاريخية تكشف عن قوة تراث المدينة

يومها لم تكن العائلة مرحبة بميلهما إلى الرسم، خشية أن يشغلهما عن الدروس فصار الرسم بالنسبة إليهما درسا سريا لا يمكن الاستغناء عنه. وحين كبرا، درسا الفن في مدرسة حسن كامل وهي الجمعية الأهلية للفنون الجميلة بالاسكندرية بدءا من عام 1929 لأربع سنوات ولم ينتميا إلى كلية الفنون.

بعدها مباشرة صارا حجر الأساس في تأسيس الحركة الفنية في مدينتهما. أدهم الذي ولد عام 1908 كان قد غادر الخمسين سنة من عمره قبل سنة حين أصابته المنية عام 1959، أما سيف الذي يكبره بعامين فقد توفي عام 1979 في ستوكهولم لينقل رفاته إلى الاسكندرية. عشرون سنة قضاها سيف وهو يشعر بنقص شديد في حياته. كان يحرك جناحا فيما الجناح الآخر خامد لا يتحرك. في غياب أدهم كانت تجربة سيف في مكابدة الحياة صعبة، بل وقاسية.

المدينة العالمية تأسر أبناءها

عُرف عن سيف أنه كان صارما، بعكس أخيه أدهم الذي عُرف بميله إلى الرسوم الساخرة. وحين نال أدهم الميدالية الذهبية في مسابقة للرسوم الساخرة عام 1932 شعر سيف بالخطر، ذلك لأن تلك الجائزة دفعت أدهم إلى الاستغراق في نشر رسومه في مجلتي “المصور” و”روز اليوسف” وصحيفة “الأهرام”، بل الأدهى من ذلك أن الأشكال الكاريكاتيرية صارت تتسلل إلى لوحاته، وهنا تدخل سيف ومنعه من الاستمرار في ذلك النهج لأنه سيحطم مستقبله فنانا.

استجاب له أدهم. غير أن ما لم يتمكن سيف من السيطرة عليه من اهتمامات أخيه قد لا يكون مضرا مثلما هي الرسوم الساخرة. كان لأدهم ولع خاص بالملاكمة والمسرح، فكان يوزع وقته بينهما، وهو الرجل الذي لم تغادره السخرية.

ربما يكون أدهم قد لعب دورا كيرا في جذب أخيه سيف إلى عالم السيرك، حيث المهرجون يحركون من وراء أقنعتهم خيوط لعبة ستكون موقع سؤال دائم. ما الذي يحدث هناك؟ لقد انشغل الأخوان وانلي طويلا بتفكيك وتحليل ذلك السؤال من خلال العشرات من لوحاتهم. لقد اكتشفوا عالما آمنا ومطمئنا غير أنه يفيض بالأسرار. فالمهرج هو إنسان، لكن بطريقة مختلفة.

بالنسبة إليهما كان القناع بمثابة المسافة التي تفصل بين عالمين. عالم العيش المباشر وعالم الفن الذي يقع دائما على الضفة الأخرى.

لقد سافرا وعادا مرارا وكانت الحصيلة مغامرات ابني جمالية، عززاها بخبرة جمالية هي خلاصة ما تعلماه من المغامرة لتي كانا يمتلكان الشجاعة الكافية لخوض غمارها. كان الفن بالنسبة إليهما مغامرة تجمع بين الواقع الجاد والخيال المرح. كانا يشبهان مدينتهما وكانت رسومهما سجل خيالها الذي يتنقل بين العصور.

الانفتاح على حياة أسطورية تجمع بين الواقع والخيال

لم يفهم الكثير من دعاة الهوية الوطنية والقومية أن الاسكندرية مدينة عالمية. ما يمكن أن يكون صحيحا من القيم والأفكار الوطنية قد لا يكون صحيحا في الاسكندرية. فهي مدينة امتزجت فيها الحضارات. كان الأخوان وانلي تلك المدينة الوفيين لقدرها.

هناك الكثير من الحكايات التاريخية التي تكشف عن قوة تراث المدينة من جهة فراقها لليابسة التي تجرها إليها. هي مدينة متوسطية أكثر مما هي مدينة مصرية. لذلك كان الأخوان وانلي يغنيان خارج السرب.

كانا اسكندريين في موقع سوء فهم لم يكن يبالي بتاريخ المدينة. ومن هنا يمكنني تفسير ميل الأخوين إلى العالمية وامتناعهما عن العكوف على الشخصية المصرية التي صارت بمثابة أيقونة بالنسبة لرواد الرسم في مصر. كان الأخوان وانلي مختلفين لا لشيء إلا لأنهما كانا اسكندرانيين.

الاسكندرية هي جزء من الكيان السياسي المصري ولكنها تنتمي حضاريا وجماليا إلى المتوسط أكثر من أن تنتمي إلى مصر. كان فن الأخوين وانلي بحريا، وهو ما يبرر مغامرتهما في الذهاب إلى الضفة الأخرى، هناك حيث الأساليب والمدارس الفنية المختلفة التي لم يكن المصريون قد تعرفوا عليها بعد. من وجهة نظري فإن أعظم ما فعله الأخوان وانلي هو أنهما غادرا في وقت مبكر الوصفة المصرية التي اقترحها فنان مصر الخالد محمود مختار. لقد اختارا أن يكونا شقيي العائلة. المتمردان اللذين أظهرا ميلهما الصريح إلى الفن الغربي، بما ينسجم مع الحقيقة.

لم يكن الأخوان وانلي يفكران في اختراع فن مصري خالص. بالقوة نفسها لم يكونا يفكران في أن يكون فنهما جسرا بين فتين. كانا اسكندرانيين، بالمعنى الذي يؤهلهما لكي يكونا حاملين لرسالة العالم إلى مصر والعكس صحيح أيضا.

كانا مصريين بقوة أفكارها وعمق انتمائهما إلى الحياة الشعبية المصرية. فنهما منفصل مثل مدينتهما تماما. وقد كان من الخطأ أن يُنظر إلى ذلك الانفصال باعتباره نقصا في الوطنية. فالاسكندرية هي التي أملت شروطها على الفنانين اللذين قررا أن يكون فنهما مرآة لفكرة العيش بمدينة عالمية. فن الأخوين وانلي يقدم صورة حية عن الإخلاص لفكرة العيش في مدينة، تتغير هويتها مع الوقت.

10