الأخ الأكبر "البيولوجي" سيستمر لما بعد كورونا

خبراء ومتخصصون في مجال الجوسسة الرقمية يحذّرون من أن الأخ الأكبر "البيولوجي" سيستمر لما بعد كورونا، وأن حالة الطوارئ قد تتحول إلى أمر واقع يرضى به الجميع.
الأربعاء 2020/04/01
متابعة لأدق التفاصيل

في معركتها ضد جائحة فايروس كورونا، استخدمت عدّة حكومات أدوات المراقبة الجديدة. ومن خلال مراقبة الهواتف الذكية للأشخاص عن كثب، والاستفادة من مئات الملايين من كاميرات التعرف إلى الوجوه، وتطبيقات تتابع أدق تفاصيل الأشخاص من فحص درجة حرارة الجسم إلى أوضاعهم الطبية، تستطيع السلطات أن تحدد المصابين بفايروس كورونا وتراقب بيسر الحجر الصحي، وتتبّع تحركاتهم والتعرّف على أي شخص اتصلوا به. كما تقدم التطبيقات تحذيرات للمواطنين بشأن قربهم من المرضى المصابين بالفايروس. قد يبدو هذا الإجراء الاحترازي مفيدا في هذا الظرف لكن ماذا لو تواصل بعد مرور العاصفة، وتحولت سياسة المراقبة الطارئة إلى وضع شرعي لسحب الحريات تحت غطاء إدارة الأزمات.

لندن –  في خضم معركة محتدمة حول حماية الخصوصية في زمن المراقبة الرقمية والأعين المترصدة في كل مكان، تأتي أزمة انتشار فايروس كورونا لتضع هذه المعركة أمام معضلة: هل يمكن القبول مؤقتا بالتجسس على الناس لـ”إنقاذ الأرواح”، وماذا لو استغل الأخ الأكبر هذا الوضع ليشرعن عملية مراقبة دائمة.

بدأت هذه الأسئلة تطرح منذ إعلان عدة دول، منها الصين وإسرائيل وروسيا وتايوان، عن اعتماد برامج وتقنيات تسمح بتعقب المشتبه بإصابتهم بفايروس كورونا. ومع بدء العمل بهذه التقنيات، يحذر خبراء ومتخصصون في مجال الجوسسة الرقمية من أن الأخ الأكبر “البيولوجي ” سيستمر لما بعد كورونا، وأن حالة الطوارئ قد تتحول إلى أمر واقع يرضى به الجميع، حتى في الأنظمة السياسية الليبرالية ذات المؤسسات التعددية القوية.

إدوارد سنودن (كاتب أميركي): عميل سابق في المخابرات الأميركية
إدوارد سنودن (كاتب أميركي): عميل سابق في المخابرات الأميركية

ويستدل هؤلاء بقوانين سابقة أحدثت في حالات الطوارئ، مثل هجمات 11 سبتمبر، وترددت الحكومات في التخلي عنها بل حولتها إلى قوانين ثابتة رغم المعارضة. وهذا ما يحذّر منه إدوارد سنودن، مسرب أسرار برامج مراقبة وكالة الأمن القومي الأميركية، الذي أعرب، في تصريحات لهيئة الإذاعة الدنماركية، عن قلقه بشأن الطرق التي تستخدم بها الحكومات التكنولوجيا لتتبع انتشار الفايروس.

ويقول سنودون إن تدابير التتبع الجديدة هذه قد يعاد استخدامها يوما ما لتطوير برامج المراقبة الجماعية الحكومية. ويذهب في ذات السياق عالم الاجتماع يوفال نوح هراري مشيرا إلى أنه قبل خمسين عاما، لم يكن بإمكان أجهزة الاستخبارات مراقبة 240 مليون مواطن على مدار الساعة، ولم تكن قادرة على معالجة جميع المعلومات التي تجمعها على نحو فعال. أما اليوم، فيمكن للحكومات أن تعتمد على أجهزة استشعار واسعة الانتشار، وخوارزميات قوية ترصد أدق الحركات وفي أي مكان وزمان.

ويلفت هراري بقوله “قد يمثل الوباء نقطة تحول مهمة في تاريخ المراقبة. ليس لأنه قد يؤدي إلى تطبيع نشر أدوات المراقبة الجماعية في البلدان التي رفضتها حتى الآن فحسب، ولكن لأنه علاوة على ذلك يدلل على تحول ضخم من المراقبة “عن بُعد” إلى المراقبة “اللصيقة”.

وإذا كانت سياسة المراقبة أمرا غير مستغرب من دول مثل الصين وروسيا، فإنها تثير الانتباه عندما  يقرر الاتحاد الأوروبي تأخّر مراجعة قواعد الخصوصية على الإنترنت. وعندما يقول الباحثون في كل من بريطانيا والولايات المتحدة إنهم يعملون على تطوير تطبيقات تتبع الفايروسات لدعوة المواطنين لتقديم بيانات الحركة طواعية.

وفي لومبارديا، التي تعدّ مركز تفشي الفايروس في إيطاليا، استغلت السلطات البيانات المجمعة لمعرفة عدد الأشخاص الذين كانوا يتحركون أكثر من 500 متر في اليوم. وفي بريطانيا، يتحدث بعض مشغلي الهواتف مع الحكومة حول مشاركة البيانات المجهولة. ولا يعد هذا الإجراء أمرا مستجدا فقط سبق أن استغلت الحكومات تصاعد العمليات الإرهابية، لتبرر تعقب نشاطات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي كفيسبوك ويوتيوب وتويتر. فمثلا، يسمح القانون البريطاني الحالي للدولة بالاطلاع على بيانات الهواتف إذا كان الأمن القومي في خطر. لكن الخطير هنا أن الحكومات تستغل حالة الرعب المنتشرة بين الناس بشكل قد يجعل البعض يبرر عمليات المراقبة.

جيريمي كليف (كاتب أميركي): علينا التضحية بشكل مؤقت بالخصوصية الشخصية
جيريمي كليف (كاتب أميركي): علينا التضحية بشكل مؤقت بالخصوصية الشخصية

فمثلا كتب جيريمي كليف، في صحيفة نيو ستيتسمان، قائلا “قد يجب علينا التضحية بشكل مؤقت بالخصوصية الشخصية من أجل إيقاف انتشار فايروس كورونا”. وأيده يوجين كونتوروفيتش، أستاذ القانون في جامعة جورج ميسون ومدير القانون الدولي في منتدى كوهيليت للسياسة، باعتباره أن الإجراء الإسرائيلي “مبرر وقانوني”.

ويضيف كونتوروفيتش “خلال فترة الأوبئة وغيرها، للحكومة الحق في تقييد العديد من الحريات الأساسية. حقوق شخص واحد تنتهي حيث تبدأ في تعريض الآخرين للخطر. يتم استخدام هذه المعلومات لإنقاذ الأرواح، من خلال العثور على الأشخاص الذين تعرضوا دون قصد وربما ينشرون المرض”.

ولأنها تبدو جزءا من سياسات الدول السلطوية، يمكن تبرير مثل هذه الإجراءات، وفق جيريمي كليف، باعتبارها شكلا من أشكال “العقد الاجتماعي” أين يتخلى الفرد عن حريات للدولة مقابل حماية حقوقه المتبقية.

ووفق استطلاع أجرته كلية الدراسات العليا للصحة العامة في جامعة سيول الوطنية في فبراير، قال 78.5 بالمئة من المواطنين إنهم سيضحون بحقوق الخصوصية للمساعدة في منع انتشار وباء وطني. وكانت السلطات في كوريا الجنوبية فرضت إضافة تطبيق عبر الهواتف الذكية يسمح بتتبع كل من أصيب بفايروس كورونا. وينبّه التطبيق، عبر رسالة قصيرة، المسؤولين والمواطنين بخصوص الأشخاص المصابين إذا خرجوا من الحجر الصحي، ويعطيهم تفاصيل حول الأماكن التي زارها الشخص.

وفي بولندا، يشعر المواطنون بالقلق من تطبيق حكومي جديد مصمم للتحميل على هواتف الأشخاص الموجودين في الحجر الصحي المنزلي. وأكدت مؤسسة بانوبتيكون، وهي مجموعة حقوقية تعارض المراقبة، قلق بعض المستخدمين الذين يدعمون جهود الحكومة لمكافحة الوباء من مدى اطلاع الحكومة المحافظة على بياناتهم الخاصة إذا ما قبلوا باستخدام التطبيق.

قد تكون هذه التطبيقات مفيدة لمحاصرة هذه الجائحة،  لكن المشكلة، وفق المعارضين، تكمن في أن إجراءات المراقبة التي يجد لها الناس الخائفون مبررا اليوم ستظل على الأرجح موجودة بعد عقود من الآن. وبمرور الوقت، قد تصبح هي الوضع الطبيعي الجديد.

ويقول سنودن “لم تعد لديك أي قوة مدنية لمقاومة هذه القوانين. لا يمكنك التجمع في الأماكن العامة، لأن الحكومة تعرف على الفور بوجود جميع هؤلاء الناس”، مضيفا أن “منح الحكومة إمكانية الوصول إلى القياسات الحيوية يمكن أن يفتح طرقا جديدة مقلقة للحكومات للتجسس على المواطنين”.

وعن ذلك يقول هراري أيضا “إلى وقت قريب، عندما تلمس بإصبعك شاشة هاتفك الذكي وتنقر فوق رابط ما، فإن الحكومة تريد أن تعرف بالضبط فوق أي شيء نقر إصبعك. ولكن مع فايروس كورونا، تغير تركيز الاهتمام وتريد الحكومة الآن معرفة درجة حرارة إصبعك، وضغط الدم تحت جلدك”، ليؤكد على ذلك سنودون بقوله أيضا “إنهم يعرفون بالفعل أين يتحرك هاتفك. تخيل ماذا يحدث عندما يبدأون في مزجها وتطبيق تقنية الذكاء الاصطناعي عليه؟”.

ويقدم سنودون مثالا: رجل في الولايات المتحدة يشاهد فيديو على يوتيوب لمسؤول  فيدرالي يلقي كلمة. الخطاب يغضبه. يرتفع نبضه ومعدل ضربات قلبه، ويتم تسجيل هذه البيانات البيومترية بواسطة هاتفه الذكي. تضع الحكومة، باستخدام الخوارزميات التي تقارن المقاييس الحيوية مع النشاط عبر الإنترنت والبيانات الأخرى، هذا الرجل في قائمة المراقبة للأشخاص الذين يُعتقد أنهم إرهابيون محتملون أو غير المرغوب فيهم.

وتتضمن المراقبة البيولوجية استخدام بيانات الهواتف وأدوات أخرى مثل الدوائر التلفزيونية المغلقة التي صممت لأغراض مثل مراقبة الحركة المرورية مراقبة كيفية تصرف السكان ككل وحجوزات شركات الطيران والسكك الحديدية ومعلومات بطاقات الائتمان وسجلات التجارة الإلكترونية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات التعرف على الوجوه وحتى اعتماد الطائرات دون طيار في بعض الحالات.

في الصين، تقول صحيفة نيويورك تايمز إن الحكومة تعمل على وضع نموذج لأشكال جديدة من الشبكات الاجتماعية الآلية للسيطرة على المواطنين بطريقة يمكن أن تستمر لفترة طويلة بعد انحسار الوباء. في المقابل، تبرر الحكومات الليبرالية اللجوء إلى هذا الإجراء لتجنب حدوث موجة ثانية أقسى من الوباء، إذا استأنف الناس حياتهم وبدأوا في الاختلاط مرة أخرى. ويذكر هنا كمثال الإنفلونزا الإسبانية، حيث قتلت الموجة الثانية أشخاصا أكثر من الذين ماتوا في التفشي الأول.

مع فايروس كورونا، تغير تركيز الاهتمام وتريد الحكومة الآن معرفة درجة حرارة إصبعك، وضغط الدم تحت جلدك
مع فايروس كورونا، تغير تركيز الاهتمام وتريد الحكومة الآن معرفة درجة حرارة إصبعك، وضغط الدم تحت جلدك

ويقول نائب مدير البحوث في برنامج أوروبا بمنظمة العفو الدولية، ماسيمو موراتي، إن حالات الطوارئ مسموح بها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، لكنه شدد على ضرورة ألا تصبح الإجراءات التقييدية “حالة طبيعية جديدة”، وأن تنتهي بمجرّد زوال الخطر.

أمام هذا الوضع تجد الدول نفسها أمام معضلة إما الحد من الوفيات وإما دعم الحريات المدنية. وفي حال كان الخيار الأول هو “الأفضل”، وخوفا من الطرق المحتملة التي يمكن أن تتبعها الحكومات، ومنها الحكومة الأميركية، لاستخدام التكنولوجيا لتتبع انتشار الفايروس، أصدرت مؤسسة “إلكترونيك فرونتير” بعض “الإرشادات الأخلاقية” لجمع البيانات أثناء الوباء، من بين هذه الإرشادات، وفق موقع بيغ ثينك:

* عمليات انتهاك الخصوصية والتطفل يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة. البرنامج الذي يتم استخدامه لجمع معلومات عن الأشخاص يجب أن يكون مبررا علميا وأن يتم التصديق على ضروريته من قبل خبراء الصحة العامة لغرض الاحتواء.

* يجب أن تكون معالجة البيانات متناسبة مع الحاجة. على سبيل المثال، لن يكون الاحتفاظ بمدة 10 سنوات من تاريخ السفر لجميع الأشخاص متناسبا مع الحاجة لاحتواء مرض مثل فايروس كورونا، الذي تبلغ فترة حضانته أسبوعين.

* جمع البيانات على أساس العلم وليس التحيز. بالنظر إلى النطاق العالمي للأمراض المعدية، هناك سابقة تاريخية لجهود الاحتواء الحكومية غير السليمة التي يقودها التحيز القائم على الجنسية والعرق والدين، بدلا من الحقائق حول الاحتمال الفعلي لإصابة فرد معين بالفايروس، مثل تاريخ سفره أو اتصاله بشخص مصاب.

* يجب التأكد من أن أي أنظمة بيانات آلية تستخدم لاحتواء انتشار المرض لا تحدد عن طريق الخطأ أعضاء مجموعات ديموغرافية محددة على أنهم عرضة للإصابة بشكل خاص.

* انتهاء الصلاحية: كما هو الحال في حالات الطوارئ الكبرى الأخرى في الماضي، هناك خطر يتمثل في أن البنية التحتية لمراقبة البيانات التي نبنيها لاحتواء انتشار الوباء قد تستمر لفترة طويلة. يجب على الحكومة والمتعاونين معها التراجع عن أي برامج تم إنشاؤها باسم الصحة العامة بعد احتواء الأزمة.

لم تقم الولايات المتحدة باستعمال أدوات مراقبة للمساعدة في احتواء الفايروس، لكن شركات مثل غوغل وفيسبوك وأمازون تتحدث مع مسؤولي البيت الأبيض حول الكيفية التي قد تكون بها قادرة على وضع النماذج والمساعدة في تتبع انتشار الفايروس، وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال.

وقالت مديرة مكتب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا للمؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، إنغيبيورغ سولرون غيسلادوتير، إنها تدرك الحاجة إلى التحرك بسرعة لحماية السكان من جائحة الفايروس، لكنها تحث على أن تتضمن حالات الطوارئ المعلنة حديثا إشرافا برلمانيا وأن تكون محدودة بمهلة زمنية. وأشارت إلى وجوب أن تكون حالة الطوارئ، أينما أُعلنت ولأي سبب، متناسبة مع هدفها، وأن تنتهي عندما تصبح غير ضرورية.

7