الأخ الأكبر لن يتنازل عن مراقبة الإنترنت في بريطانيا

السبت 2015/01/24
الاستخبارات البريطانية تسعى للحصول تشفيرة الرسائل الإلكترونية والدردشات

لندن- هل يبرر أمن البلاد انتهاك خصوصيات الأفراد والحريات العامة؟ هل تقبل بمراقبة مراسلاتك الخصوصية على الإنترنت (الإيميل ومواقع التواصل الاجتماعي) كإجراء لمكافحة الارهاب وضمان أمن المجتمع؟ في إجابة عن هذين السؤالين يؤكد الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني أنه لابد من التعاون من أجل التصدي للهجمات الإرهابية.

دعا الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني MI6 السير جون سويرز، إلى معاهدة مراقبة جديدة بين شركات الإنترنت وأجهزة الأمن في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، في أعقاب تسريبات سنودن.

واعتبرت التسريبات التي قام بها المستشار السابق في وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن “الأخطر” على الإطلاق في تاريخ الاستخبارات الأميركية. ومنذ يونيو 2013 حين فجر إدوارد سنودن قنبلة التسريبات وفر من بلاده لينتهي به المطاف لاجئا في روسيا، لم تنفك تداعيات هذه الفضيحة تكبر ككرة ثلج.

وأدت تسريبات سنودن إلى إحداث تغيير في الطريقة التي تستخدم بها الحكومات والهيئات الكبرى الإنترنت، وكان هناك حديث عن “تفكيك” الإنترنت حتى يمكن، على سبيل المثال، للاتصالات، التي تبدأ وتنتهي في أوروبا، أن تنتقل عبر أسلاك أوروبية فقط.

وتضمنت تسريبات إدوارد سنودن ما يفيد تورط المخابرات البريطانية في عملية تعقب نشاطات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي كفيسبوك ويوتيوب وتويتر.

وفي أول خطاب له منذ أن ترك منصبه، نهاية العام الماضى، يقول سويرز إنّ على الطرفين (شركات الإنترنت وأجهزة الأمن) العمل معا، كما كان الحال في الماضي، للحيلولة دون تكرار أحداث عمليات القتل بشارلي إيبدو، والتصدي للتهديد الدائم من الإسلاميين المسلحين في أماكن مثل اليمن، أو تقدم بوكو حرام في نيجيريا.

باراك أوباما: يجب الموازنة بين مراقبة المشتبهين وحماية الحريات المدنية

وفي أجزاء أخرى من الخطاب نفسه، اتفق سويرز مع البابا فرانسيس على الدعوة إلى ضبط النفس في الإساءة إلى الحساسيات الدينية للآخرين بعد هجمات فرنسا. كما فصل، في تصريح غير متوقع، بين وكالة MI6 والسي آي آي (وكالة المخابرات المركزية الأميركية) على مستوى ما أسماه العمليات “القاتلة”.

سويرز الذي يتأهب للعمل في القطاع الخاص بعد عقود من المناصب المرموقة في وزارة الخارجية ثمّ مؤخرا في وكالة MI6، صرّح بأنّ تسريبات سنودون في 2013 قد أدت إلى تحطم علاقات تبادل المعلومات غير الرسمية السابقة بين شركات التكنولوجيات الحديثة ووكالات المراقبة. وعانت شركات مثل غوغل ومايكروسوفت من استياء المستخدمين نتيجة الكشف عن هذه الحقائق، وهي بالتالي غير مستعدة للمساهمة في أي عملية تعاون، ممّا يسبّب معضلة فعلية لوكالات المراقبة في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة.

ويقول سويرز: “ألقى سنودون بصخرة ضخمة في المياه الهادئة لهذه العلاقات، والتموجات المنجرّة عن ذلك لم تتوقف بعد”.

كما يضيف: “من المؤكد أن تلك المسألة قد أثارت قلقا بالغا بالنسبة إلي بشأن انعكاسات ذلك على علاقات التعاون وتبادل المعلومات بين معظم شركات التكنولوجيا وشركات الاتصالات من جهة، وأجهزة الأمن من جهة أخرى، ومدى قدرتنا على إصلاح ذلك وتداركه”.

ويعتبر سويرز أنّه من الضروري إرساء اتفاق صغير جديد من أجل منع الهجمات الإرهابية، مثل تلك التي حدثت مؤخرا في باريس، والتي تحدث بصورة منتظمة، إذ يقول: “لا يمكننا أن نسمح بحدوث ذلك”.

وتضغط أجهزة الاستخبارات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية على شركات الإنترنت الكبيرة في سعيها للحصول على تشفيرة رسائل البريد الإلكتروني والدردشات على الإنترنت.

ويساند سويرز، في دعوته هذه، التصريحات الأخيرة لديفيد كاميرون ورئيس MI5، أندرو باركر، المنادية بمزيد من الصلاحيات، كما اتفق مع باركر أيضا في قوله إن حدوث العملية الإرهابية في لندن كان مسألة وقت فحسب.

وقال: “قامت المجموعة الأمنية القومية بعمل رائع في التصدي لهذه التهديدات، ولكن إذا كنت سأجلس هنا وأتساءل عما إذا كانت الأجهزة الأمنية والشرطة ستنجح في ردع كل محاولة إرهابية، فالإجابة هي طبعا لا، ستنجح إحدى هذه المحاولات في وقت ما، ذلك أمر محتوم”.

وكان سويرز أدلى بهذه التصريحات في إطار إطلاق دراسة حول المواقف الدولية من الثقة، في مقر شركة بي آر ادلمان في لندن. وقد كرس الكثير من خطابه لمسألة المراقبة وقال إنّ الجماهير لم تكن مدركة، قبل أحداث تسريبات سنودون، مدى المراقبة التي تخضع لها.

ويبدو أن ردّ سويرز على هذه تسريبات أكثر دراسة وتحفظا من التصريحات التي أدلى بها أمام لجنة برلمانية في نوفمبر 2013، عندما قال إن أعداء المملكة المتحدة “سيسعدون بشدة”. وقد قال في إطار خطابه: “عندما أنظر إلى تسريبات سنودون ككلّ، أدرك أنه قد حصد بعض الشعبية، لأن الجمهور لم يكن يدرك إلى أي مدى كانت وكالة التنصت ووكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة الأميركية تراقبان حركة المرور على الإنترنت”.

سويرز قال إن تسريبات سنودن ألقت بصخرة ضخمة في المياه الهادئة للعلاقات الدولية، مؤكدا أن التموجات المنجرة عن ذلك لم تتوقف بعد

ولكنه أضاف أن هناك فوائد عدة من المناقشة التي تلت ذلك طوال العام ونصف العام الماضيين، إذ يقول: “بطبيعة الحال، هناك مشكلة هنا لأن الجمهور والسياسيين وحتى شركات التكنولوجيا، إلى حد ما، جميعهم يطالبوننا بالقدرة على رصد أنشطة كلّ الإرهابيين وغيرهم من الأشرار، ولكنهم لا يريدون أن تكون أنشطتهم هم خاضعة لأي رصد أو مراقبة.

وأضاف قائلا “أعتقد أن من فوائد النقاشات التي دارت خلال 18 شهرا الأخيرة هو أن الناس يدركون الآن أن ذلك مستحيل، وأنه يجب أن يكون هناك نوع من القدرة على تغطية الاتصالات التي تتم باستخدام التكنولوجيا الحديثة”. كان رئيس الوزراء محقا عندما قال الأسبوع الماضي إنه “لا يمكن أن تفرض علينا وكالات المراقبة قائمة كاملة من المناطق المحظورة، فلا يمكن أن تكون لدينا مناطق محظورة في مجتمعاتنا لا تستطيع الشرطة الوصول إليها، لأن ذلك يتيح المجال أمام أعدائنا لممارسة نشاطاتهم”.

والأسبوع الماضي اختلف الرئيس الأميركي باراك أوباما، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، حول مواقفهما من الرقابة على الإنترنت، بعدما أعلن أوباما أنه يجب التوصل إلى توازن بشأن مراقبة المشتبه بقيامهم بالإرهاب، وحماية الحريات المدنية.

جاء ذلك بعدما وجه كاميرون، في مؤتمر صحفي مشترك بالبيت الأبيض مع أوباما، تحذيرا إلى شركات الإنترنت العملاقة من أن عليها أن تبذل جهدا أكبر، لضمان ألا تصبح منصات للاتصالات الإرهابية.

وتعهد أوباما وكاميرون، بالتصدي “للأيديولوجيا الخبيثة” للمتشددين، وقالا إنه يجب السماح لأجهزة المخابرات بتعقبهم على الإنترنت، رغم المخاوف المتعلقة بالخصوصية، وعبرا عن مخاوفهما بشأن المواد المشفرة التي يمكن أن تمنع الحكومات من تعقب متطرفين يعتزمون تنفيذ هجمات.

غير أن أوباما، شدد على أهمية التقيد بالحريات المدنية، وأثنى على الدور الذي تقوم به الجماعات المعنية في هذا الشأن، وقال إن الضمانات القانونية قائمة لمنع الحكومة من القيام بدور “الأخ الأكبر”.

شركات الإنترنت تتعرض لضغوطات أميركية بريطانية للكشف عن تشفيرة رسائل البريد الإلكتروني والدردشات

من ناحيته، اتخذ كاميرون موقفا أكثر تشددا، حيث طالب شركات الإنترنت الكبرى مثل فيسبوك وتويتر، بأن تبذل جهدا أكبر في التعاون مع مراقبة المشتبه بكونهم إرهابيين.

وذهب إلى القول، خلال مقابلة تلفزيونية مع “القناة الرابعة الإخبارية”، إن على هذه الشركات أن تكون أكثر حذرا، لكي لا تصبح منصة اتصال للإرهابيين.

وفي نفس السياق أكد الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني: “ينطبق ذلك أيضا على العالم الرقمي، عالم الإنترنت. إذا كنت تسمح بوجود مناطق لا يمكن اختراقها بالكامل، إذن لا بأس، قد تشعر بالراحة أنه يستحيل على أي كان أن يرى رسائلك الخاصة، ولكن هذا الحق ينطبق كذلك على أولئك الذين يحاولون إيذاءك وتدمير مجتمعك”.

أما بشأن الهجمات الأخيرة بفرنسا، فقد أكد سويرز أن الغرب بحاجة إلى ممارسة ضبط النفس، وأضاف: “أنا أتفق مع البابا على أن الهجمات التي وقعت في باريس هي طبعا غير مقبولة على الإطلاق، ولا يمكن تبريرها على أي أساس كان، ولكن أعتقد أن ديانة البعض هي كذلك جزء هام من هذه المسألة. إذا بادرت بعدم احترام القيم الأساسية للآخرين، فإنك ستثير حتما ردود فعل غاضبة”.

وردا على سؤال حول صورة وكالة MI6 في العالم، بالمقارنة مع صورة الولايات المتحدة الأميركية، أكد سويرز: “أعتقد أننا نجحنا في المملكة المتحدة، في الالتزام بإطار مسؤولياتنا المهنية، وأعتقد أن أحد أهمّ مشاكل وكالة المخابرات المركزية الأميركية أنها شاركت في العمليات المميتة التي أفسدت سمعة بعض أعمال أجهزة الاستخبارات”.

روبرت هانيجان: الخصوصية لم تكن أبدا حقا مطلقا بلا سقف

من جانبه، صرّح رينات سامسون، رئيس مجموعة حملة “مراقبة بيغ براذر” قائلا: “تملك وكالات المخابرات بالفعل مجموعة واسعة من القدرات، بما فيها القدرة على رصد أفراد معينين. وقد بلغنا أنه يتمّ التصدي بشكل منتظم لمختلف الهجمات باستخدام هذه الموارد. قبل منح المزيد من الصلاحيات، لابد أن نتأكد من تواصل استخدام هذه الموارد بكفاءة وبشكل صحيح. نحن لا نريد أن نشهد حدوث الأخطاء الاستخباراتية، التي وقعت في وولويش على سبيل المثال، مرة أخرى”.

وأضاف: “من المثير للقلق أن نرى هذه الوكالات تصرّ على أنه لا يمكن إجراء مراقبة فعالة على المشتبه فيهم دون مراقبة اتصالات من مجموع السكان. يبدو أننا مضطرون إلى التضحية ببراءة معظم المواطنين للكشف عن جرم القليل منهم”.

يذكر أنه بعد أيام قليلة من توليه مهام منصبه شن روبرت هانيجان المدير الجديد لجهاز الاتصالات الحكومية، وهو إحدى وكالات المخابرات البريطانية، هجوما على مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، مؤكدا أن موقعي تويتر وفيسبوك من أكثر المواقع أهمية لدى المنظمات الإرهابية المتشددة، وهو ما يستدعى من عملاقي التكنولوجيا الأميركية أن يقدما تنازلات للأجهزة الأمنية تتيح دخولا أوسع نطاقا إلى محتويات الموقعين بما يتيح للحكومات الغربية تعطيل الهجمات الإرهابية والعمليات التخريبية ومنعها قبل وقوعها.

وأكد أن “الخصوصية لم تكن أبدا حقا مطلقا بلا سقف”، وأشار بأصابع الإتهام إلى الشركات الأميركية، مثل شركتي تويتر وفيسبوك وبرنامج واتس آب لاعتقاده بأنها تعيش حالة إنكار لتورطها “عن غير قصد” في القيام بدور “شبكات القيادة والسيطرة التي يستخدمها الإرهابيون في عملهم”.

وكتب هانيجان مقالا نشرته الصحف البريطانية، أن تنظيم القاعدة والإرهابيين في الماضي استخدموا الإنترنت كموقع لنشر المواد بصورة سرية مجهولة ولعقد لقاءات في الظلام، ولكن تنظيم “داعش” والتابعين له أصبحوا يستخدمون الشبكات الاجتماعية الآن بصورة مباشرة لإيصال رسائل وتبادلها “بلغة يفهمها أقرانهم”.

واعترف بأن أجهزة المخابرات الغربية لا تستطيع التغلب على هذه التحديات دون دعم من القطاع الخاص، بما في ذلك شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة التي تسيطر على الإنترنت.
18