الأدباء يهربون من التورط في فخ اللغة الصحفية

الثلاثاء 2014/06/03
جدل طويل حول مقولة: الصحافة تقتل إبداع الأديب

القاهرة – ينطلق كل من الكاتب والصحفي من قضية وفكر محددين يتعامل بهما مع متغيرات العصر بأسلوبه الخاص، ويعبر كلاهما عن منطلقاته وتوجهاته من عمق معرفي، مع اختلاف في طريقة المعالجة.

يثير الأدباء جدالا واسعا حول العلاقة بين الصحافة والأدب، أو بتعبير آخر، يبدو أكثر مقاربة للواقع، مدى استفادة الأديب من عالم الصحافة في سهولة الوصول إلى الجمهور والتواصل معه، من جهة، وخوفه من “الانزلاق” إلى لغة صحفية تغلب عليها البساطة والسلاسة، وعدم التكلف في استعراض “العضلات اللغوية”، مما يجره بعيدا عن شغفه الأصلي “عالم الأدب”، من جهة ثانية.

لا يصدر الأديب معالجات للقضية عبر روايته على لسان أبطالها، والتي تتشكل في بعض الأحيان لترسم رمزا، يلمح من خلاله الأديب إلى مغزى يرمي إليه، ويحرض القارئ على إعمال الذهن والتنقيب عن الحلول، بعكس الصحفي، الذي لا يميل إلى الرمزية في طرح المشكلات، بل يطرحها بشكل مباشر ويضع مقترحات حلول لرؤيته وهذه هي رسالة الصحافة، وهذا فرق جوهري في تناول كل من الصحفي والأديب معالجة موضوعاتهما.

الروائي يوسف القعيد تحدث عن تجربته كأديب وصحفي فقال، “أنا ضد كل الأصوات التي تقول إن الصحافة تقتل الموهبة الأدبية وتستنزف وقت والأديب ومجهوده، وعلى المستوى الشخصي استفدت كثيرا من العمل بالصحافة، فهي تثري تجارب الأديب وفكره بشرط أن يستطيع اختيار الوقت المناسب الذي يترك فيه الصحافة ويتفرغ للكتابة. إن الصحافة بالنسبة إليّ أزالت القدسية عن الكلمة المكتوبة وأصبحت كتاباتي تتمتع بشكل من أشكال الإيجاز، ووفرت لي الفرصة لزيارة معظم دول العالم مما أثرى خيالي وثقافتي، كما استفدت من الكتابة الصحفية في صياغة الفكرة الروائية”.

أما الكاتبة سكينة فؤاد فتذهب إلى عكس طرح القعيد وتقول “إن الصحافة مقبرة الأدباء، لأن الأدب يحتاج إلى الحرية، حرية الحياة، ولكن الصحافة وما تفرضه من قيود ولوائح تحول دون انطلاق الأديب”، وتضيف أنها من خلال رحلتها الطويلة مع الصحافة لم تجد الوقت الكافي للاهتمام بالكتابة الأدبية وإن كانت قد أدركت ذلك في الوقت الحالي.

محمد جبريل: "الصحافة هي المهنة الأكثر قربا إلى ميول الأديب وقدراته ومعاناته"

ويؤكد الروائي محمد جبريل، الذي مارس العمل الصحفي بجريدة “المساء” المصرية، “إن الروائيين الإنكليز اتجهوا إلى النقد لأسباب مادية، فكيف يتصرف الأدباء العرب الذين لا تستطيع مكاسبهم المادية من الأدب أن تفي احتياجاتهم الضرورية؟” ويضيف، “من هذا المنطلق اتجهت إلى العمل بالصحافة، فهي المهنة الأكثر قربا إلى ميول الأديب وقدراته ومعاناته، وقد استفدت من عملي بالصحافة واستلهمت أفكار عدد من رواياتي من خلال الأحداث التي مرت بي في الحياة العملية الصحفية”.

ويقول إنه أفلت من الوقوع في فخ اللغة الصحفية، حيث أعطى الأولوية للأدب واللغة الأدبية إذ إنها هامة جدا لتوصيل العمل الأدبي.

أما الروائي جمال الغيطاني والذي شغل منصب رئيس تحرير جريدة أخبار الأدب لمدة تزيد عن عشر سنوات، فيرى أنه يحرص تماماً على الفصل بين الصحافة والأدب ويعرف أن هذا الأمر يصل إلى حد “الشيزوفرينيا” انفصام الشخصية وهو من أجل تحقيق هذا الفصل لا يقترب من العمل الصحفي ليلا لأنه يخصص ذلك الوقت تماما للقراءة الأدبية أو الكتابة، بل إنه يذكر في سبيل تأكيد هذا الفصل أنه لا يستخدم القلم الذي يكتب به موضوعات صحفية في كتابة أي أعمال أدبية.

ويؤكد “الغيطاني” أن عمله بالصحافة أكسبه مميزات كثيرة، فالكتابة المستمرة في مجال الصحافة والشطب والاختصار والتعديل أزال حالة القداسة التي كان يشعر بها تجاه كتاباته الأولى، والصحافة تفيد الأديب بشكل كبير حيث تمثل الكشاف القوي في يده الذي يرى بواسطته المجتمع بأكمله، ويتمكن خلالها من الاحتكاك بكل شرائح المجتمع وفئاته، وكل ذلك يثري تجربته الإنسانية ويفتح أمامه الكثير من الأبواب للتوغل في عالم الأدب.

علي أبو الريش: "العاملون في الصحافة يواجهون يوميا محاولات لإجهاض إبداعاتهم"

ويقول الأديب والشاعر فاروق شوشة إن مقولة “الصحافة تؤثر على إبداع الأديب أو تقتله” هو قول مناف للحقيقة، بل هي تزيد من معلوماته وتفتح مداركه على أشياء لم يكن ليصل إليها من خلال الأدب فقط، والكلام والشواهد على ذلك كثيرة تمثلها تلك المعارك الأدبية التي اتخذت مكانا لها على صفحات الجرائد والمجلات والتي استطاعت بفضل نشرها بصورة متتالية أن تنقل الصراع الدائر حول القضايا التي تهم القارئ مثل القديم والجديد والأصالة والمعاصرة والإبداع والعولمة، ومن خلال هذه المعارك الأدبية طارت شهرة أدباء كبار في قمة طه حسين والعقاد والمازني وتوفيق الحكيم وهيكل وزكي مبارك وأحمد أمين وغيرهم ممن كانوا في الأصل أدباء وصلوا الصحافة من باب الأدب ولو أنه اقتصر مجال عملهم على ما ينشرونه في كتبهم لكانت المعرفة بهم محدودة.

ويرى الروائي الإماراتي علي أبو الريش، أن الصحافة مهنة مشاغبة، ودائماً تتعارض مع مباغتة الإبداع، والذين يعملون في الصحافة يواجهون يوميا من يحاول أن يجهض عملياتهم الإبداعية، ويقمع أصواتها ويطفئ لهيبها، ومن وجهة نظره فإن الصحافة هي مهنة المتاعب بالنسبة إلى الصحفي غير المبدع، فالصحافة مهنة العمل اليومي والحدث المتلاحق.. أما الإبداع فهو مسألة يبرز فيها البعد الإنساني والنظر إلى ما أبعد عن سطح الأرض، إلى عوالم أخرى مغلفة بالسحر والمشاعر المتدفقة.

ويرى الروائي العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي أن الإبداع الحقيقي ضد القيود، وهو يأتي بشروطه ومواصفاته المختلفة التي تؤسس ولا تقلد، فهناك حكاية في القصيدة، وشعر في الحكاية، أو السرد، بل إن كتابة المقالة لها تقنيتها ويرى أن نجاح مشال أبو جودة كان في عموده السابق في جريدة “النهار” اللبنانية، لأنه يكثف في هذا العمود كل ما هو ساخن وكل ما هو حاضر بدقة وتلميح وتشريع لعدة نوافذ، وكذلك برع الماغوط في الزوايا التي كتبها.

18