الأدبي والنقدي في قراءات الباحث إبراهيم خليل

"مرافئ التأويل" أدباء يقرأون الناقد بعدما كان هو من يقرأهم.
السبت 2019/11/02
إبراهيم خليل تجربة نقدية مختلفة

يجب على الناقد أن يوفر حالة خاصة من المزج بين الجهاز المعرفي من نظريات ومناهج، والحس المرهف في التعامل مع النصوص الأدبية وتحسس جمالياتها من أكثر من ناحية، حتى لا يكون النص النقدي مجرد تقنين بارد للمنجز الإبداعي، وإبراهيم خليل الناقد الأردني الذي قدم أكثر من خمسين كتابا واحد من النقاد الذين يجب الوقوف على تجاربهم في مزج صرامة النقد بتحرر الإبداع.

 كتاب “مرافئ التأويل، إبراهيم خليل بين الأدب والنقد” حرره وقدم له الناقد والشاعر نضال القاسم، وضم مقالات نقدية تناولت المتنين الأدبي والنقدي للناقد والأكاديمي الدكتور إبراهيم خليل.

كتب مقالات الكتاب حسب تسلسل مقالاتهم في المتن الذي نحن بصدده، كل من، حميد سعيد، الدكتورة شهلا العجيلي، الدكتور شفيق النوباني، الدكتورة سعاد أبوركب، الدكتورة أماني حاتم بسيسو، الدكتور محمد صالح الشنطي، الدكتور راشد عيسى، الدكتور الخير محمد رجب، علي حسين خلف، محمد المشايخ، عثمان قوقزة، الدكتورة هناء خليل، الدكتور إسماعيل القيام، نضال القاسم، هداية رزوق، صادق العبيدات ومحمد جميل خضر.

إلى أحاديث الناس

“الدكتور إبراهيم خليل، أستاذ أكاديمي في الجامعة الأردنية، له حضوره المميز في المشهد الثقافي والأدبي والنقدي، وتشهد له مشاركاته العديدة في الملتقيات الثقافية، الوطنية والعربية والدولية، ودراساته وبحوثه ومقالاته في الصحف والمجلات والدوريات المتخصصة، وقد صدر له ما يزيد على سبعين كتابا، جعلته من أبرز أعلام النقد الحديث، ليس في الأردن وحده، بل في الوطن العربي، وليس من قبيل المبالغة القول إن اسم إبراهيم خليل قد تردد في الكتب والمجلات والمحاضرات وحلقات البحث الجامعي التي تعنى بالنقد الأدبي والعلوم الإنسانية، أكثر من أي ناقد أو مفكر أردني معاصر على مدى السنوات الثلاثين الماضية، فرحلته طويلة في عالم الكتابة وممارسات النقد التطبيقي والإبحار في عوالم من الفن والشعر والقصة والرواية والموسيقى والفن التشكيلي، فهو مثقف موسوعي يمتاز بالإرادة المكينة والعزيمة الصلبة”.

بهذا الوصف قدمه معد الكتاب الناقد والشاعر نضال القاسم، ورآه وهو القريب منه شخصيا وفكريا، حيث تمتد علاقتهما إلى العام 1993، واحدا من أهم النقاد العرب، من خلال لغته التي يتعامل بها مع الأثر الذي ينقده، حيث نقل النقد من التنظير الأكاديمي الجاف إلى أحاديث الناس، وحبب إليهم قراءة النقد والأثر الذي يتناوله بالنقد معا، واستمر عطاؤه النقدي منذ أربعين عاما، ولم يزل، وحقق حضورا متميزا، بدليل الدراسات التي تتناول تجربته الإبداعية والنقدية، من خلال إصداراته المتنوعة، يعد اليوم من أبرز نقاد جيله ويشكل بؤرة التقاء حقيقية في المشهد الإبداعي العربي.

إبراهيم خليل نقل النقد من التنظير الأكاديمي الجاف إلى أحاديث الناس، وحبب إليهم قراءة النقد والأثر الذي يتناوله

ويشير المعد إلى أن ما يجمع الأبحاث والدراسات والمقالات التي ضمها الكتاب، هو استذكار المنجز النقدي لناقد مبدع وعالم جليل تميزت كتاباته النقدية بعلمية فاحصة وقدرة تحليلية مرنة ودور بارز في التجديد والاستمرار.

إن كتاب “مرافئ التأويل” يعيد فتح ملفات على أكثر من محور، بما يضمه بين دفتيه من بحوث ومقالات تناولت تجربة الناقد على المستويين الإبداعي والنقدي، وينفرد هذا الكتاب بأن الدراسات والبحوث التي يضمها تتفرع في مجالاتها من عوالم الثقافة والفكر والفن، متجاوزة التقسيم التقليدي الضيق السائد في كتابات كثيرة، كما أنه ضم إسهامات مجموعة متميزة من كبار الأساتذة إلى جنب باحثين جدد، في عمل يعكس الرؤية المشتركة لهؤلاء الباحثين تقديرا لعطاءات الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل، واحتفاء بجهوده النقدية الوازنة التي اتسمت بالانفتاح المنهجي المسؤول.

شهادات مبدعين

على الصعيد الشخصي، لطالما لفتت نظري قراءاته النقدية على الصعيدين الكمي والنوعي، فكتبت عنها وأشرت إليها، فمنذ أن أقمت في العاصمة الأردنية – عمان- في خريف العام 2003 وأنا أتابع باهتمام وتركيز ما يكتبه في الصحف والدوريات، كما قرأت الكثير من مؤلفاته، ومما كتب ويكتب عنه، وقد “أسأله أحيانا وأحاوره بالقدر الذي يتاح لنا، وبخاصة، كيف استطاع أن ينجز كل هذا الذي أنجزه، وأن يحافظ على تواصله في البحث والكتابة”.

من المؤكد أنه يتوفر على جهاز معرفي ولا تنقصه الإحاطة بشعرية الشعر والقصة القصيرة والرواية، كما لا تنقصه الإحاطة بفضاء النقد ونظرياته ومناهجه ومداخله، على اختلافها وتعدد ما فيها من توجهات، لا يعجزه أن يتناول ما يقرأ من أعمال ولا يستعصي عليه، أو يتأبى له إخضاعها للتحليل والتشريح، حتى لتغدو الممارسة النقدية عنده أقرب إلى التلقائية.

التأسيس لمنهج نقدي عربي يتجاوز الحاضر
التأسيس لمنهج نقدي عربي يتجاوز الحاضر

وسأحاول أن أتوقف عند بعض الشهادات التي وردت في البحوث والشهادات التي جمعها المعد في كتابه هذا، إذ قال الدكتور شفيق طه النوباني “يعد إبراهيم خليل واحدا من أكثر النقاد تفاعلا مع الحركة الأدبية في الأردن والعالم العربي، فقد أصدر أول كتبه النقدية ‘الشعر المعاصر في الأردن’ عام 1975 ليرفد المكتبة العربية بعد ذلك لما يزيد على ستين كتابا، صدرت في نحو أربعين عاما، فضلا عن العديد من المقالات والدراسات المنشورة على صفحات المجلات المحكمة والثقافية غير المحكمة التي جمع العديد منها في كتب منشورة، ولا يحتاج المطلع على نتاجه إلى كثير عناء ليتوصل إلى سمة الغزارة فيه، غير أن منطلق الاهتمام به لا يتوقف على هذه السمة، بل يتأتى من طبيعة هذا النتاج الذي حافظ على تواصله مع الصحافة الثقافية من ناحية ومن ناحية أخرى حافظ على السمت الأكاديمي، والحقيقة أن هذا التوازن بين الأكاديمية والصحافة، توازن ذو أهمية كبيرة إلى حد أن من الممكن اعتباره مدخلا مناسبا يمكن الانطلاق منه في دراسة الرؤية النقدية التي يستند إليها في نتاجه النقدي، أسوة بغيره من النقاد الأكاديميين الذين تواصلوا مع الصحافة في نتاجهم المتنوع”.

وتقول الدكتورة سعاد أبوركب، في بحث لها بعنوان “قراءة في نتاج إبراهيم خليل حتى عام 2014” “إبراهيم خليل ناقد متمرس، من كبار النقاد في الأردن وفلسطين، اهتماماته النقدية متشعبة، يتمتع بثقافة واسعة، طرق في كتاباته موضوعات متنوعة، ولكن باب النقد كان من أكثر الأبواب التي طرقها وألَّف فيها، فميوله النقدية هي التي طغت على مواهبه الأخرى”.

وجاء في البحث الذي كتبته الدكتورة أماني حاتم بسيسو بعنوان “الإبداعية في الخطاب النقدي” “في تجربة إبراهيم خليل، يتماهى دور القارئ الحساس بدور المبدع الملهم المرهف، فكلاهما مؤهل بدرجة عالية من الإحساس بتجليات الفن” وكان بالإمكان أن أضمن مقالتي هذه شهادات كثيرة أخرى، لكن مهما كثرت هذه الشهادات فهي لا تعوض عن قراءة الكتاب، كما أن قراءة الكتاب لا تعوض عن قراءة المتنين، النقدي والإبداعي للدكتور إبراهيم خليل، وهما متنان مهمان يتسمان بالثراء والأصالة، ويصدران عن موهبة  وخبرة وتجربة.

14