الأدب الأفريقي بين اهتمام العالم وإهمال العرب

نقاد: الأدب الأفريقي في القارة السمراء جزء لا يتجزأ من الثقافة الإنسانية المناضلة من أجل تحقيق الحرية والعدالة.
الجمعة 2019/06/07
ثقافة يجهلها العرب وهم منها

يحظى الأدب الأفريقي باهتمام عالمي متزايد، حيث بات هذا الأدب يحتل مكانة هامة سواء في الجوائز العالمية أو في الجامعات والإعلام، وله حضور بارز، لكن يبقى حضوره في العالم العربي ضئيلا  رغم انتماء عدد من الدول العربية إلى القارة السمراء.

حصد الأدب الأفريقي المعاصر كثيرا من الجوائز العالمية وفي مقدمتها جائزة نوبل فضلا عن جوائز الغونكور الفرنسية، والبوكر البريطانية، واللوتس الأفرو-آسيوية وغيرها من الجوائز ذات الصيت العالمي. إلى جانب هذا الامتياز فقد أصبح الأدب الأفريقي منتشرا في الجامعات الغربية والآسيوية حيث خضع ولا يزال يخضع للتدريس وللدراسات الأكاديمية الجادة.

وفي السنوات الأخيرة فقد احتل الأدب الأفريقي مكانة متميزة في مجالي الدراسات الثقافية وما بعد الكولونيالية جراء ارتباطه بالدفاع عن الهويات الأفريقية وبالمقاومة للتمييز العنصري وللاستعمار القديم والجديد. ولا شك أن مقال جان بول سارتر الموسوم بـ”أورفي الأسود” الذي خص به أنطولوجيا الشعر الزنجي والملغاشي باللغة الفرنسية، والتي أشرف على إعدادها واختيارها الشاعر والرئيس السنغالي الشهير ليوبولد سيدار سنغور في عام 1948 قد لعب دورا مهما في إطلاق عمليات التعريف بالمتن الشعري الأفريقي الغني بمضامينه وأشكاله في معظم بلدان المعمورة.

يرى النقاد الغربيون المختصون في الثقافات الأفريقية والمؤيدون أيضا لحركة التحرر الوطني في بلدان أفريقيا في القرن الماضي أن الأدب الأفريقي في القارة السمراء جزء لا يتجزأ من الثقافة الإنسانية المناضلة من أجل تحقيق الحرية والعدالة في عالمنا. ومن الواضح أن هذا الاحتفاء بالأدب الأفريقي في الغرب قد تزامن مع جهود طبع دور النشر البارزة في أوروبا وخاصة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وفي وأميركا الغربية والجنوبية وفي أستراليا لمختلف الأجناس الأدبية الأفريقية في طبعات متنوعة الأمر الذي جعلها بمثابة ركن أساسي ضمن الآثار الكبرى للأدب العالمي. ففي بريطانيا، مثلا، صدرت العشرات من الأنطولوجيات الشعرية والمجاميع القصصية والروائية والمسرحية الأفريقية فضلا عن المؤلفات الفلسفية والفنية والنقدية الأدبية. وهنا نتساءل: ما مكانة الأدب الأفريقي في بلدان المشرق العربي وفي الفضاء المغاربي ترجمة وطباعة وتدريسا للطلاب؟

 من الملاحظ أن السائد عندنا هو الجهل بمختلف القسمات التي تشكل الهويات الثقافية الأفريقية ويسند هذا الجهل تغييب نمطي للنصوص الأدبية والفكرية والفنية الأفريقية في مناهجنا التعليمية على مستوى الابتدائي والتكميلي والثانوي والجامعي حيث يكتفي هذا الأخير، مثلا، بتدريس مجهري وانتقائي ومتقطع لبعض المعالم القديمة من التاريخ الأفريقي مع التركيز على شذرات قليلة من تاريخ حركات التحرر الأفريقي المعاصر فقط دون ربط كل ذلك بالإنتاج الحضاري الأفريقي عبر التاريخ بما في ذلك الإنتاج الأدبي والفلسفي.

وقد تكرست ظاهرة إدارة الظهر لأفريقيا في مجلاتنا الأدبية والفكرية والفلسفية وفي المؤسسات المتخصصة في دراسة أنتروبولوجيا الثقافات، ومعالم الآداب، و تيارات الفلسفة حيث لم تسع جميعا إلى إبراز دور أفريقيا في صنع الحضارة الحديثة وإلى التعريف بالمتون الأدبية والفكرية الأفريقية لدى أجيال الشباب والشابات عندنا. وما يؤسف له أن بلداننا لا توجد بها جوائز لها مصداقية مخصصة لأدباء ومفكري أفريقيا.

لا شك أن مصر هي الدولة العربية–الأفريقية الوحيدة في فضائنا الجغرافي التي لديها معهد للبحوث والدراسات الأفريقية وكلية الدراسات الأفريقية العليا، وبذلك تكون قد سارت على خطى بريطانيا التي تملك مدرسة الدراسات الأفريقية والشرقية فضلا عن امتلاكها لأقسام وشعب الدراسات الأفريقية في أغلب جامعاتها بدءا من جامعتي كامبريدج وأكسفورد العريقتين وغيرهما.

العرب يديرون الظهر لأفريقيا في الأدب والفكر والفلسفة
العرب يديرون الظهر لأفريقيا في الأدب والفكر والفلسفة

ورغم وجود معهد البحوث الأفريقية وكلية للدراسات الأفريقية العليا في مصر إلا أنهما لا يكفيان للتعريف بالثقافات الأفريقية شعبيا ونخبويا من المحيط إلى الخليج كما أن هاتين المؤسستين لم تقدما إلى يومنا هذا إلا جزءا بسيطا جدا من الزخم الكبير للثقافات الأفريقية العريقة والمتنوعة، أما بلدان المنطقة المغاربية فليس فيها توجه استراتيجي باتجاه أفريقيا وجراء ذلك تنعدم فيها تقاليد البحث الأكاديمي الجدي والمتخصص في التعريف النخبوي والشعبي بالآداب والفلسفات التي تزخر بها المجتمعات الأفريقية، وفضلا عن ذلك فإنه يلاحظ انعدام مراكز مغاربية متخصصة في ترجمة المؤلفات التي تتضمن أشكال التعبير الأفريقي الفكري والفني والأدبي ويعد هذا النقص خطرا على أجيالنا فعلا.

ربما، هناك محاولات نادرة ذات طابع فردي في الجزائر والمغرب الأقصى وتونس وليبيا، ولكنها لا تشكل إطارا مفتوحا لكل الكفاءات في مجالات الترجمة والبحث والدراسة والتدريس لعناصر الثقافة الأفريقية القديمة والحديثة والمعاصرة كما أن هذه المحاولات ليس لها أثر يذكر في حياة ووعي المواطنين والمواطنات، وبالدرجة الأولى في حياة الطلاب والطالبات ومختلف شرائح المثقفين على تنوع أجيالهم.

لا ينبغي أن ينسينا هذا الوضع وجود مثقفين لهم مساهمات معتبرة في تقديم جزء من آداب وتاريخ أفريقيا، وأذكر هنا على سبيل المثال فقط جهود الدارس المصري الراحل الدكتور علي شلش الذي كانت لي صحبة أدبية وثقافية معه بلندن منذ عام 1986، والذي من خلاله تعرفت في ذلك الوقت على ملامح الأدب الأفريقي. وفي الحقيقة فإن هذا الرجل يعد من أبرز المثقفين الأكاديميين العرب الذين كرسوا جزءا مهما من حياتهم للتعريف بالأدب الأفريقي وترجمته إلى اللغة العربية، وفي هذا الخصوص فقد ترك وراءه ستة مؤلفات وهي: من الأدب الأفريقي، والدراما الأفريقية، وألوان من الأدب الأفريقي، وسبعة أدباء من أفريقيا، والأدب الأفريقي، ومختارات من الأدب الأفريقي، وهكذا يرى الدارس المصري أحمد فضل شبلول أن الدكتور علي شلش يعتبر “من أوائل الذين اهتموا بالأدب الأفريقي ترجمة وتعريفا”.

وفي سياق هذا الاحتفاء الفردي بالأدب الأفريقي نجد مساهمة مهمة من إنجاز المترجم التونسي جمال الجلاَصي الذي قام بترجمة الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر ليوبولد سيدار سنغور فضلا عن نصوص أخرى من الأدب السنغالي والأفريقي. وفي الواقع فإن هذا الانفتاح الفردي على جزء قليل من أشكال التعبير الأفريقي الثقافي والفكري والأدبي، من طرف بعض دارسينا ومترجمينا، مكسب مهم ولكنه لا يكفي ولذلك ينبغي أن تنهض المؤسسات ببلداننا لتشرع في إقامة الحوار وتفعيل التناص مع أفريقيا الحضارة والتاريخ والثقافة والفن ودون ذلك فإننا سنضيع فرصة بناء التكامل مع جزء أصيل من عمقنا الحضاري والتاريخي.

14