الأدب العربي والمزاج الغربي

الاثنين 2016/04/18

وأنت تقرأ عن معايير نشر الأدب العربي المترجم إلى اللغات الأوروبية، خاصة الرواية، رغم شحّة ما يُنشر منه مقارنةً بآداب شعوب أخرى، تقع على آراء مختلفة، بعضها يلامس الحقيقة وبعضها الآخر يفتري عليها. من بين هذه الآراء أن يلبّي العمل المترجم أفق انتظار القارئ الغربي، وهو رغبته في التعرف على أسرار عالم يهمّه من وجهة استراتيجية بحتة، أو يكشف محتواه عن تصوّراته وانطباعاته النمطية الشائعة (الشائهة) عن العرب: تفكيرهم السطحي أو تخلفهم وهمجيتهم، انعدام ضمائرهم ونزوعهم إلى العنف والشر، تعصبهم وكراهيّتهم للآخر المختلف عنهم دينياً وإثنياً، اضطهادهم للنساء وتعاملهم معهنّ كحريم، ارتكابهم جرائم القتل باسم الدفاع عن الشرف، ثرائهم وترفهم الفاحشين، شهوانيتم الجنسية.. إلخ.

ثمة رأي ثان يجد صلة محكمة بين الترجمة وبعض المشاريع الكولونيالية، ويرى في الترجمة نافذة يطل منها المتقدم على الآخر الأقلّ تقدما، لتصبح في محطات بعينها محكومة بعلاقة تابع بمتبوع، وهو أمر له تداعياته من حيث عملية الانتقاء المحكومة في أكثر توجهاتها بقيم ذات صلة بالمركزية الغربية.

ويربط فريق ثالث بين اهتمام الناشر الغربي ببلد الكاتب وأعماله التي ينشرونها أولا، فمصر بلد عربي مهم بالنسبة إلى الأوروبيين المولعين بالحضارة المصرية القديمة. وهذا الاهتمام يقربه كثيرا إلى الكتّاب المصريين مثلا. وتأتي فلسطين في المرتبة الثانية بسبب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ويرى فريق رابع أن ثمة معيارا يعوّل عليه بعض الناشرين الغربيين، خاصة الأميركيين، يتمثّل بتركيز الرواية العربية على موضوعين: “الذات الغربية” و”الآخر العربي”، ويصف هذا الفريق الموضوع الأول بأنه “حبل نرجسي من المصالح”، كونه يستجيب إلى تطلّع القرّاء إلى نوع معين من الروايات العربية هي الروايات التي تقدّم صورة الأميركيين أو الغربيين أو اليهود أو الإسرائيليين، أو رؤية العرب لهم، أو التي تدور حول تجربة الهجرة العربية إلى الولايات المتحدة أو إلى أوروبا، أو الروايات التي تتناول وجود الأميركيين أو الغربيين عموما في العالم العربي. وهذه الروايات تجعل القرّاء يتخيلون أنهم يتنصتون على محادثات الآخر العربي عنهم. وفي هذا الصدد يقول إليوت كولا، وهو واحد من المترجمين القلائل الذين يعنون بترجمة النصوص العربية إلى اللغة الإنكليزية وبالعكس “إن أيّ روائي عربي لديه معرفة مقبولة عن الجمهور الأميركي، يعرف أن وجود الشخصيات الأميركية أو الأوروبية أو الإسرائيلية في أيّ رواية، سوف يستهوي الشريحة النرجسية من القراء”. وهذا يعني أن الغرب يتعامل مع الأدب العربي كوثائق اجتماعية وليس كأدب ناضج.

ما يمكن استنتاجه من تلك الآراء الأدبية، عدا بعض الاستثناءات مثل: نجيب محفوظ وإيميل حبيبي وعلاء الأسواني وحنان الشيخ (تمثيلاً لا حصرا)، مقصية كشرط أول لترجمة الرواية العربية ونشرها في الغرب. ولذلك لا عجب، حسب تعبير الناقد المغربي أحمد المديني، أن تجد بعض الكتّاب العرب، ممّن يحلم بالانتقال إلى العالمية، قد أصبح منذ البداية يكتب للتوافق مع “الماركا” التي تطلبها المؤسسة الغربية أو يمكن أن تغريها، فالمطلوب اليوم أكثر من أي شيء وشأن آخر هو الهجوم مثلا على القيم والتاريخ والتقاليد العربية وكل ما هو جوهري في تاريخ هذه الأمة وروحها والتشنيع على ما راكمته من تجارب، هو ذا شيء مطلوب ومرغوب ويلقى رواجا لدى مؤسسات الترجمة، وأيّ تبخيس للإنسان العربي قابل للترويج، وكل ما يقدّم بصورة فولكلورية غرائبية مطلوب جدا، إضافة إلى نزعة “الاستعراء”، لا سيما فيما يتصل بإظهار العربي، والمرأة بالذات، ككائن حبيس غرائزه يتقلب بين مكبوتاته الجنسية وكل ما هو لصيق بهذا القاموس وهذ الكمّ التنفيسي.

كاتب من العراق

14