الأدب المصنوع بين التلفيق والوجاهة الثقافية

السياسة والدعاية والأكثر مبيعا لا تفرز إبداعا أصيلا ما لم يكن الحرفُ النابضُ الصّادقُ أوّلَ همّهِ وآخره.
الثلاثاء 2020/09/01
كتاب متلونون صنعهم الترويج والمحاباة (لوحة للفنان بسيم الريس)

لا يُحلّق الشاعر الحقيقي عاليا بغير جناحَي القصيدة منفردَيْن خالصَيْن، ولا يُشار إلى الروائي المتميز بالبنان سوى بتخييله السردي المدهش وانغماسه الكامل المجرّد في خضمّ الظاهرة الإبداعية. لكن هناك كثيرين اليوم يفرضون أنفسهم على حساب غيرهم في عالم الأدب بنص هزيل ويحقق جلّهم مكانة هامة من خلال ألاعيب السياسة والتسويق وغيرهما.

يوما بعد يوم، يتأكد للجميع أن الأدب المصنوع، المدسوس على المشهد الإبداعي من خارجه، لا يعيش طويلا، مهما تحمّست له وقتيّا أبواق الدعاية السياسية والتسويقية، فالأدب لن يكون عملا إضافيّا ولا وجاهة اجتماعية، ولن يستحقّ أحدٌ صفة “أديب” ما لم يكن الحرفُ النابضُ الصّادقُ أوّلَ همّهِ وآخره.

قد تنتفخ بعض الإفرازات البالونية الطافية على السطح، المنسوبة تصنيفيّا إلى حقول الأدب والإبداع بسبب ظروف وملابسات وشروط وتوجيهات معينة، لكنها في نهاية الأمر بالنسبة إلى قارئ حصيف وناقد منصف هي مجرّد محاولات فجة من جانب هواة، ولا ترقى في معظم الأحوال إلى الاهتمام التخصصي الجاد.

الكثير من هذه الإصدارات الفجائية، في ظل مناخ ضبابي فرضت حضورها على الساحة كأعمال أدبية رائجة، وتجرّأ مؤلفوها القادمون من النوافذ غير الشرعية على مزاحمة الروائيين والشعراء والكُتّاب المتحققين في عالم الإبداع الرصين، لأسباب متعددة، ليست فنية بطبيعة الحال.

الدوائر الفضفاضة

في مضمار الأدب الرحب، تتعدد التجارب وتتنوع، وتتفاوت في أهميتها وثقلها وتأثيرها، وليس بمقدور ميزان تقييمي ثابت الادّعاء بقدرته على امتلاك يقين للحكم على عمل بعينه بمعيار الأفضلية والتفوق، فالرؤى نسبية ومتفاوتة إزاء النص الأدبي الواحد.

تكاد الرؤى المختلفة تتفق بشأن توصيف العمل محل المراجعة بأنه عمل أدبي، أو أنه ليس عملا أصلا، بمعنى أنها تمتلك اليقين في هذه المرة للفرز الموضوعي والتفرقة بين الأصيل والزائف، والجوهري والملفق، والحقيقي والاصطناعي.

مؤلفون من خارج الحقل الإبداعي يقتحمون المشهد لأسباب كثيرة منها تركيز الأضواء على أعمالهم لأغراض غير فنية

وإذا كانت قراءة العمل هي الآلية الكافية وحدها عادة لاستنباط ماهيته، ومعرفة إن كان يستحق أن يكون إبداعا متجذرا أم أنه وافد غريب مقحم على تربة الأدب، فإن النظرة التحليلية الأوسع قد تجد ما يشجعها أكثر وأكثر على الشك في العمل المدسوس على الأدب واستبعاده باطمئنان خارج الإطار، لأنها تجد تفسيرات واضحة لهذا الاندساس.

هذه التفسيرات تكون من خارج الأدب، ودائما تتعلق بالسياسة وأغراضها الانتفاعية وألاعيبها التحريضية، والحملات الإعلامية الموجهة لصالح أفراد وجماعات أو ضدهم، إلى جانب الوجاهة الاجتماعية وجنون الشهرة، وهوس البعض بأن يصيروا أدباء بأيّ وسيلة أو ثمن، فضلا عن لعبة السوق، وتصدير دور النشر أسماء وأعمالا أريد لها اللحاق بركب الأكثر مبيعا، تحت مظلة الإثارة والتربُّح وقوانين العرض والطلب الاستهلاكية المستجدة، والرغبة في تحويل بعض الروايات إلى أفلام سينمائية.

عبر هذه الدوائر الفضفاضة، وغيرها من الملابسات الشائكة المتشابكة، يمكن تفهُّم كيف انتقلت إلى الكوكب الأدبي أسماء من قبيل: المحامي والكاتب السياسي ثروت الخرباوي، القيادي المنشق عن الإخوان، الباحث والمؤرخ يوسف زيدان، الصحافي إبراهيم عيسى، الممثل خالد الصاوي، الطبيب خالد منتصر، الممثلة رغدة، لاعب الكرة أحمد ناجي، السياسي اليساري رفعت السعيد، والقاضي أشرف العشماوي.

وليس ببعيد عن الذاكرة تقديم العقيد الليبي الراحل معمر القذافي في أواخر القرن الماضي قاصّا محترفا، والتكريس لذلك في المؤسسة الرسمية المصرية، بل إن من النقاد من تهافتوا على استحسان عمله القصصي “القرية القرية.. الأرض الأرض.. وانتحار رائد الفضاء” كعمل ريادي استثنائي، ووصفه أحدهم بأنه “ينمّ عن نظرة عميقة في جوهر الحياة”.

لم يكن غريبا إعادة تصدير اسم الخرباوي في المشهد المصري ككاتب روائي، بالإعلان منذ أيام قليلة عن صدور روايته “مولانا الجوسقي” عن دار “بتانة” للنشر، بل إن الدار أقامت ندوة نقدية لتحليل العمل، الذي وصفه صاحبه في تغريدة له وصفا عجائبيّا بأنه “سياحة روحية في زمن آخر مع ناس آخرين”.

الناشرون يقدمون عشرات الأسماء المصنوعة طمعا في الربح المادي أو تحويل كتاباتهم إلى مسلسلات وأفلام سينمائية

لماذا لا يصير الخرباوي روائيّا نابها، وهو المرضيّ عنه تماما من المؤسسة الرسمية، بعد انشقاقه عن جماعة الإخوان وانفصاله عنها، وفضحه إياها في أكثر من كتاب، من بينها “قلب الإخوان – محاكم تفتيش الجماعة”، و”سر المعبد – الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين”.

لم يكتف بممارسة دوره ككاتب سياسي يكتب ما يعرفه، فانزلق إلى الأدب بمنظور السياسة أيضا، أي التخصص في الإسلام السياسي، مقدما رواية أولى بعنوان “زمكان”، أعقبتها رواية “مولانا الجوسقي”، والاثنتان تدور أحداثهما المباشرة في فلك تجربته، حيث الصراع بين الإسلام الوسطي والمتاجرين بالدين، من خلال قناع تاريخي واستدعاء شخصيات من الماضي (مثل الإمام ابن حنبل) لتعيش أزمات الحاضر وتسعى إلى حلها.

على نحو مشابه لوحظ تكثيف الضوء منذ أيام قليلة حول السياسي اليساري رفعت السعيد في الذكرى الثالثة لرحيله، مع اختزال تجربته تحت عنوان عريض هو أنه “من كبار المنتقدين لجماعة الإخوان المسلمين عبر تاريخها”.

والمدهش أن الأقلام التي تذكرت تجربة المفكر التقدمي والناشط اليساري ورئيس حزب التجمع الوحدوي لم تتناول مجالات عمله واهتماماته الأساسية كمُعارض، ربما لأن مفهوم المعارضة قد بات غير مستحب، ومن ثم فقد جرى التكريس له روائيّا.

جنون الشعر والسوق

يأتي الهوس بجنون الشعر ولقب “شاعر” كأحد أسباب هبوط شخصيات عدة بالباراشوت فوق كوكب الإبداع، منهم على سبيل المثال الفنان خالد الصاوي صاحب ديوان “نبي بلا أتباع”، ويضم نصوصا تفعيلية وعمودية تلمذية تتوسل العشق والحرية والجمال في عالم لم يعد فيه أنبياء ولا معجزات “عودي فإني قد سئمت وجودي/ وكرهتُ ذاتي وارتضيتُ قيودي”.

في هذه الخيمة، هناك أيضا الفنانة السورية رغدة، التي قدّمت عدة دواوين شعرية، منها “مواسم العشق”، “يوميات جارية”، ولم تلق قبولا رغم الضجة الإعلامية التي صاحبت إصداراتها، واضطلاع هيئات مرموقة بنشرها.

كتاب قادمون من النوافذ غير الشرعية يزاحمون الروائيين والشعراء (لوحة للفنان علاء أبوشاهين)
كتاب قادمون من النوافذ غير الشرعية يزاحمون الروائيين والشعراء (لوحة للفنان علاء أبوشاهين)

ومن الوسط الرياضي، هناك حارس الأهلي السابق ومدرب الحرّاس بالمنتخب المصري لكرة القدم أحمد ناجي، الذي نشر أكثر من ديوان بالعامية، وأقام حفلات توقيع موسّعة لأعماله الشعرية التطريبية التي تشبه الأزجال الغنائية، ومنها “اللي فاضل مني”.

تبقى معايير السوق وأحكامه من أبرز مسوّغات التمسّح بالأدب تحت حماية دور النشر التي قدمت خلال السنوات الأخيرة عشرات الأسماء المصنوعة طمعا في التربح المادي أو تحويل الأعمال المكتوبة إلى مسلسلات تلفزيونية وأفلام سينمائية.

من هؤلاء الطبيب خالد منتصر، الذي لم يترك مجالا تخصصيّا إلا وطرقه بالكتابة، وتقاطع مع حقل الأدب بكتابه “بورتريهات بألوان الشجن”، وفيه حاول رسم بورتريهات فنية بالكلمات لمثقفين ومبدعين متمردين، الأمر الذي دفع القراء للترحم على كتّاب البورتريهات الكبار.

في عربة تسوق “البيست سيلرز” أو الأكثر مبيعا، يتجاور اسما الباحث الأكاديمي المؤرخ يوسف زيدان، والصحافي إبراهيم عيسى، ويتشابهان في اقتحامهما المباغت حقل الرواية من عوالم غير أدبية، وفي صناعة الإثارة حلما بنجومية جماهيرية سينمائية، وحققت روايتا “عزازيل” لزيدان و”مولانا” لعيسى المراد لهما في السياق الدعائي التشويقي الممنهج، إلى جانب توابل المطالبات بمنعهما ومصادرتهما ثم العدول عن هذه المطالب، وترشيحهما لجوائز عربية كبيرة، وتحويل “مولانا” إلى فيلم سينمائي.

لم تنجح هذه السلسلة من الضجّات والفرقعات المتتالية في رفع الروايتين، فنيّا إلى مكانة أعلى مما تستحقانه، فالاتكاء على التاريخ المعروف والمجهول، والسرد المباشر القحّ لأحداث واقعية، وكشف العلاقات الخفية بين السلطة والقوى المتحالفة معها، وما إلى ذلك من المفردات غير الفنية التي انبنت عليها الروايتان، يبقى غير كافٍ لطرح نماذج روائية ناضجة، في ظل غياب الوهج الإبداعي كروح، وفقدان الحس التخييلي الابتكاري، والتدفق السلس، والقدرة على خلق عوالم موازية، والافتقار إلى التجانس العفوي بين عناصر النوع الأدبي.

15