الأدب المضاد

الخميس 2014/03/06

أستعير مفردة “مضاد” من العنوان الشهير لمذكرات الأديب الفرنسي أندريه مالرو “مذكرات مضادة” أو مخالفة. لعل مذكرات هذا الأديب أجمل من نصوصه الأدبية. يكفي أن يتضمن عنوان مذكراته هذه المفردة العنيدة والمشاكسة والمتمرّدة “المضاد”. لا أجمل من أن نكون أبناء “الضدّ” أبناء “المعاندة” أبناء كلمة “لااااااا”. وحده الأدب يبيح لنا هذه المعاندات.

كل آداب العالم تأججت خلال الحروب، الأدب يزدهر عندما تروى أرضه بالدم، بالكره، بالحقد، بالضغائن. كل ذلك ينعش الأدب ويحركه. حتى في الأزمان الغابرة، فلولا حرب داحس والغبراء لما عرفنا أشعار عنترة أو عروة بن الورد أو زهير بن أبي سلمى. ولولا حرب البسوس لما وصلتنا أشعار الزير سالم وسلسلة من الأشعار الأخرى التي قيلت خلال تلك الحرب الدامية.

الآن، الخارطة العربية متأججة بشتى أشكال المعارك، معارك قرّرها التاريخ بعد عقود من التفسخ. وشحذ الأدباء أقلامهم، وكتبوا.

فالفرصة جاءت على طبق من ذهب لكل أصناف الأدباء، للأديب الحقيقي الذي يراقب ويتأنى ويمحص ويدقق ليكتب نصا حقيقيا أمينا، أيضا وصلت الفرصة للأديب المتقنع بالأدب، ليطبخ على عجل نصوصا حماسية ارتجالية مشوشة وخالية من وجهة نظر غير الشتم.

وما أكثر أدباء الشتم وما أقل أدباء الإبداع وما أكثر الذين قرأوا رائعة ماركيز “مئة عام من العُزلة” ولم ينتبهوا إلى أنه كتبها عن الحرب الأهلية الكولومبية، دون أن يشتم مباشرة أي مسؤول حكومي.. هكذا النص الحقيقي مثل وحش يهجم هجمة واحدة على الطريدة لتكون له.. ما أقل وحوش الأدب. وما أكثر آكلي الجيف..

من قال إن النص الذي يُكتب لينحاز لطرف ويشتم الآخر هو نص متمرّد؟ معظم النصوص التي كتبت في ظل الثورات العربية هي نصوص متحزبة سلفا ومؤدلجة لأنها كُتبت لتشتم طرفا بعينه، لتصب في صالح الضفة الأخرى.

من قال إن النص المتمرّد يكتب أخذا بخاطر جهة ما، أو من أجل أجندة ما، أو لغاية محددة؟ هكذا نحن العرب حتى الأدب نحوّله إلى مصالح وحسابات. لهذا لم نحظ بعد، بأديب عربي عالمي معاصر بمستوى ماركيز مثلا.

ألبير كامو كتب أهمّ نصوصه المتمردة في غرفة تحت الأرض مموهة تحت بناء متهدم، كتبها بعيدا عن أنظار المصالح والأحزاب والحكومات. كتب نصه “الإنسان المتمرّد” لصالح مفردة واحدة “التمرّد”.

كاتبة من سوريا

15