الأدب النسوي العربي ميراث غائب

ناقدات يتحدثن عن نسويات الغرب ويسكتن عن النسويات العربيات.
الاثنين 2020/01/20
لا بد من وعي نسوي جديد (لوحة للفنانة هيلدا حياري)

الكثير من النسويات العربيات اليوم يكررن مقولات قديمة لنسويات غربيات، ولا يكتفين بذلك بل يهملن دور النسويات العربيات ويغضضن الطرف عن إنجازاتهن الثقافية التي كان لها الأثر الكبير في الثقافة العربية، وسواء كان هذا عن جهل أو تعمد، فإنه من الضروري الالتفات إلى تعديل المسار من خلال رد الاعتبار للنسويات العربيات والبناء على ما أنجزنه.

أدركت الناقدة النسوية في الغرب في مرحلة مبكرة أن من أولى مهامها نفض الغبار عن التراث الأدبي النسوي، وذلك من خلال إعادة التعريف به عبر إعادة نشره ودراسته في ضوء رؤية منهجية جديدة تعيد الاعتبار له.

وعندما انتقل النقد النسوي الغربي إلى ثقافتنا ظل هذا النقد مشغولا بالبحث في سمات النص الروائي النسوي دون الأجناس الأدبية الأخرى مثل الشعر، على غرار ما فعلته الناقدات النسويات في الغرب.

مفارقات النسويات

لقد مضى على توطين النقد النسوي في ثقافتنا العربية زمن لا بأس به، لكن الأدوار التي كان يفترض بهؤلاء الناقدات أن يقمن بها لم تتحقق حتى الآن.

في أولويات هذا النقد تأتي إعادة نشر التراث النسوي العربي بالطريقة التي تليق به، إضافة إلى إعادة قراءة هذا التراث برؤية منهجية حديثة، والتعريف بالأدوار الثقافية التي لعبتها الكاتبة العربية في مراحل مبكرة من تاريخها، وكانت بمثابة علامات مهمة في تاريخ الحياة الثقافية العربية.

إن أهمية هذا الدور تتمثل في وصل ما انقطع في تاريخ الكتابة النسوية والأدوار التي لعبتها الكاتبة العربية سواء على صعيد الإسهام النسوي خصوصا والأدب العربي عموما، أو من خلال  النوادي الثقافية والصالونات الأدبية التي كانت فضاء للحوار والتفاعل ومناقشة قضايا الأدب والثقافة والفن.

من الضروري إعادة قراءة التراث النسوي برؤية منهجية حديثة، والتعريف بالأدوار الثقافية التي لعبتها الكاتبة العربية

إن مشكلة النقد النسوي العربي تتمثل في أن الغالبية من هؤلاء الناقدات يعملن في الحقل الأكاديمي ما أثر كثيرا على القيام بهذا الدور في حياة ثقافية ما زال فيها دور المرأة الثقافي خاضعا لجملة من الظروف والعوامل الاجتماعية والتربوية والسياسية المعيقة. لكن هذه الملاحظة لا تعفي المرأة الناقدة من القيام بالأدوار التي يستوجب عليها القيام بها، خاصة عندما تكون جزءا من الخيارات الفكرية والسياسية التي اختارتها.

وهكذا تبدو المفارقة واضحة عندما تطيل هؤلاء الناقدات الحديث عن الأدوار التي لعبتها فرجينا وولف وسيمون دو بوفوار وجوليا كريستيفا في تاريخ النقد النسوي والكتابة النسوية، في حين يسكتن عن الأدوار التي لعبتها بعض الكاتبات والمثقفات العربيات في تاريخ الثقافة العربية، والتي لا تقل أهمية عن أدوار سابقاتها من النسويات الغربيات سواء من الناحية التاريخية أو الأدبية.

لذلك لا يكفي أن تحاول هؤلاء الناقدات دراسة الأدب النسوي الراهن المتمثل في الرواية وكأن أدوار المرأة الكاتبة والصحافية العربية بدأت الآن، في حين يغيب جانب هام من هذه الأدوار التي عبرت، في مرحلة تاريخية مبكرة بعضها يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر والبعض الآخر إلى عشرينات القرن الماضي، عن وعي المرأة المبكر بأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه في إغناء الحياة الأدبية العربية وتأكيد دور المرأة الأساسي في هذا المجال. من هنا فإن استعادة صيرورة هذه التجربة ووصل ما انقطع فيها يتطلبان استعادة هذه الأدوار وأهم أعلامها والأثر الذي خلفته في الحياة الثقافية العربية، وهي مسؤولية هؤلاء الناقدات النسويات قبل أن تكون مسؤولية الجهات الثقافية الأخرى، التي لا يبدو أنها معنية باستعادة هذا التراث وتجديد علاقتنا به في ضوء رؤية معاصرة وجديدة.

مشروع لا بد منه

Thumbnail

كانت المرأة العربية الكاتبة والصحافية هي الأكثر وعيا بأهمية العمل الثقافي الجمعي وأثره في تعزيز الحياة الثقافية العربية، كما ظهر ذلك من خلال المجالس الكثيرة التي أقامتها واستقطبت من خلالها أهم أعلام الأدب.

ولأن المرأة الكاتبة والصحافية كانت هي الأكثر رعاية لهذه المجالس فقد ارتبطت هذه المجالس والصالونات بها بامتياز. إن هذه الظاهرة التي لم تدرس حتى الآن بصورة معمقة ومنهجية تحتاج من الناقدات النسويات إعادة قراءة وتحليل للتعريف بالأدوار الهامة التي لعبتها والتي عبرت عن وعي المرأة المبكر بأهمية دورها من خلال المشاركة الفاعلة في تنشيط الحياة الثقافية وفتح باب الحوار حول قضاياها ومسؤولياتها في تحقيق النهضة وتجديد الوعي وتكريس قيم الحياة الجديدة.

لقد بدأ ظهور الروابط والصالونات الأدبية بصورة لافتة منذ مطلع عشرينات القرن الماضي، وقد لعبت الحواضر العربية مثل القاهرة ودمشق وحلب وبيروت دورا أساسيا في بروزها. والملفت للنظر محدودية الاهتمام بدراسة دلالات هذه الظاهرة وما الذي تعنيه على المستوى السوسيولوجي، خاصة وأن هذه الأدوار لم تقتصر على الأدب والثقافة بل تعدتهما إلى الأدوار النضالية ضد المستعمر ومن أجل نشر أفكار النهضة والتجديد في المجتمع، ما يدل على مشاركة هامة للمرأة في مجالات الحياة المختلفة وعلى تأثرها بالأفكار الجديدة للثقافة الغربية، وهو ما تتم الإشارة إليه غالبا من خلال عدد من أسماء أعلام النهضة الرجال دون أن تتم الإشارة إلى المرأة في هذا المجال.

من هنا تبدو أهمية الدور المنوط بالناقدات النسويات العربيات لاستعادة هذا التاريخ والكشف عن رموزه وتأثيره في الثقافة والمجتمع، إضافة إلى دراسة دلالاته ومعناه خاصة وأن أغلب الصالونات الأدبية ارتبط ظهورها بالمرأة التي كانت تنظر إلى الثقافة من منظور جمعي وتسعى إلى دمج المرأة في المجتمع. إن قيام بعض المحاولات الخجولة والمحدودة في مراجعة هذه الأدوار من قبل بعض الجهات النسائية لا يكفي للتعريف بهذه الأدوار وبيان الأثر الذي خلفته في عصرها على الحياة الثقافية والاجتماعية إذ لا بد من العودة إلى المصادر الأولى والتنقيب والبحث في المصادر التي ما زالت مجهولة لتكوين صورة شاملة وعلمية عن هذا التاريخ وأهم أعلامه وأسباب ظهوره في مدن دون أخرى لوضع هذا التاريخ في سياقه الاجتماعي والسياسي والثقافي.

لقد لاحظنا أن ناقدات نسويات في الغرب نهضن بمسؤولية كهذه أعدن فيها نشر أهم الأعمال الأدبية التي ظهرت في بداية التاريخ الأدبي النسائي على نفقتهن الخاصة ومن خلال دور نشر خاصة بهن، بينما قامت مجموعة أخرى بدراسة هذا المنجز والكشف عن الملامح المشتركة فيه ودلالاته، ما عبر عن الوفاء للإسهامات الأدبية التي قدمتها هؤلاء الكاتبات وما كانت تعبر عنه على مستوى تجربة المرأة الكاتبة من قضايا تخص حياتها وحريتها في مجتمع ما زال محكوما بسلطة أبوية متحيزة.

من هنا تظهر أهمية أي مشروع يمكن للناقدة النسوية العربية أن تقوم به على هذا المستوى على الأقل من أجل تجديد علاقتها حاضرا بماضيها الذي ناضلت كاتبات ومثقفات من أجل مستقبل المرأة الكاتبة وتقديم صورة مشرقة عن هذا التاريخ والأدوار التي لعبتها على طريق نهضة وتطور المرأة والمجتمع والثقافة.

14