الأدب النسوي والتأسيس للنهضة

الأحد 2015/10/11

أكد الباحثون والآثاريون المعنيون بالتاريخ وحضارات بلاد الرافدين أن الشاعرة الأكدية أنخيدوانا كانت أول شاعرة في التاريخ تدوّن اسمها على نصوصها وتصف حالها تحت حكم الغزاة الذين نفوها عن مدينتها، وفي قصيدتها الشهيرة “سيدة النواميس الإلهية” تخاطب الآلهة إينانا لتشهد على ما جرى لبلادها ونساء مدينتها، وقد وجدت قصائدها مدونة بالكتابة المسمارية واللغة الأكدية وترجمـت إلى العـربية ولغـات عالمية أخرى.

سبقت أنخيدوانا الأكدية الشاعرة الإغريقية سافو بنحو ألف وسبعمئة سنة، غير أن الباحثين الأوروبيين يتجاهلون هذه الحقيقة التاريخية الموثقة ويحيلون البدايات إلى سافو الإغريقية التي عاشت في القرن السادس قبل الميلاد في جزيرة ليسبوس.

كثيرا ما يعمد الدارسون المعاصرون والباحثون الأوروبيون إلى إحالة كل تأسيس في الأدب والفن والفكر إلى جذر أوروبي إغريقي أو روماني أو من القرون الوسطى، متجاهلين آداب وفنون الحضارات الأخرى في آسيا وأفريقيا والأميركيتين، فهذه الباحثة الفرنسية (لوري آن تيرو بينوني) تعلن في دراسة لها ان نساء التروبادور (الشعراء الجوالون) في أوروبا هن من أسسن للأدب النسوي منذ نهاية القرن الثاني عشر بتقديمهن الشعر المغنّى صحبة الموسيقى، مما حدا بالطبقات الأرستقراطية للاحتفاء بهذا الشعر وتحويله إلى فن مركزي في ثقافة البلاط حيث النساء المترفات المغرمات بالشعر العاطفي وقصص الفروسية والحكايات العشقية النموذجية.

بدأت نساء التروبادور عبر أنشطتهن حركة نسائية تطالب ببعض الحقوق وانتشرت القصائد المعنية بالقضية في جنوب فرنسا حيث أوضاع المرأة تتمتع بشيء من الحرية فالنساء متساويات في الميراث مع الرجال ويقمن بإدارة أملاكهن دونما وصاية من رجال العائلة، وكانت أوضاع النساء في شمال فرنسا متردية جدا فكانت المرأة محط احتقار ووصاية إقرارا بعجزها وقصورها، وانتقل شعر نساء التروبادور الشجاعات إلى شمال إيطاليا وانتشر في أماكن عدة باعتباره ظاهرة أدبية تعبر عن أسلوب المرأة المختلف في النظر إلى الأمور ضمن قصائد تتحدث عن الحب ولوعة العشق والرغبة المتأججة والحاجة إلى رفقة صديق مخلص متفهم في مجتمع قاس كما تتحدث عن الشخصية الذكورية المتسلطة.

عند بدء شن الحروب الصليبية على المشرق في القرن الثالث عشر انحسر أدب التروبادور إذ هيمنت النظرة العنيفة واحتقار النساء على نحو كبير كما يحدث في الحروب التي تتخذ من الغطاء الديني مبررا للغزو، ونتيجة لتلك الحملات فقدت النساء الأوروبيات كثيرا من حقوقهن، فمنع القادة الحربيون امتلاك النساء للعقارات والأراضي وحظروا على النساء إدارة الأملاك والتجارة واستولوا على ممتلكاتهن ومع هذا التدهور المريع تدهور الأدب كما أصبحت النظرة إلى الحب الراقي المهذب الذي يقابل الحب العذري في التراث العربي والحب الأفلاطوني الإغريقي نظرة متخلفة شأن جميع الحركات والحروب الدينية التي تحارب جميع العلاقات الإنسانية السوية، ونتيجة لذلك اصطحبت الجيوش الصليبية في حملاتها أعدادا كبيرة من الغانيات وبائعات الهوى للترفيه عن المقاتلين مثلما حدث ويحدث في جميع الحروب التي شهدها عالمنا.

عمد شعراء التروبادور إزاء هذه الهجمة على النساء والشعر والأدب والفنون إلى حفظ وتوثيق الكتابات النسوية وكثير من الحكايات والقصص العاطفية الرقيقة، ووثقوا تلك النصوص التي عبّرت فيها النساء بحرية عما يختلج في نفوسهن، غير أن هذه الحقائق لا تبيح للباحث الرصين والدارس المتأني إغفال دور الشاعرات الشهيرات في الحضارات الغابرة التي سبقت الميلاد وسبقت سافو الإغريقية بقرون.

كاتبة من العراق مقيمة في عمان

11