الأدب بين التناص والسرقة

الأربعاء 2013/10/09

من عادة الكتاب أن يأخذوا بعضهم عن بعض، إما للتقليد أو للاستئناس، لا يسلم من ذلك حتى الفحول، ولكن إذا كان القدامى قد عدوا ذلك سرقة موصوفة، فإن النقد المعاصر اعتبره تناصا، ووصف ما تحتويه النصوص موضع النقد من "اقتباسات" و"استلهامات" بأنها نصوص غائبة يكاد لا يخلو منها أي أثر أدبي.

والنقاد المحدثون يدينون لا محالة بما يسميه مستعملو الإنترنت "نسخ – لصق"، أي وقوع الحافر على الحافر كما تقول العرب، ولكن من بينهم من يدافع صراحة عن السرقة الأدبية، ويعدّها أمرا مشروعا، شريطة أن يكون للسارق من النبوغ ما يتيح له صهر المادة المسروقة في قالب مستطرف. هذا مثلا الفرنسي أناتول فرانس (1844- 1924) المتوج بجائزة نوبل للعام 1921 كان قد نشر عام 1922 كتيبا بعنوان "مديح السرقة الأدبية" ( أعيد نشره أخيرا ضمن منشورات صونور بباريس ) يميز فيه بين المدّعي الذي يسطو على جهد غيره دون أن يملك موهبة ولا رؤية فنية، والكاتب الفذ الذي يأخذ عن سابقيه أو معاصريه ليبدع نصا جديدا.

فالأول في نظره لص محتال، والثاني مبدع شريف، لأن الأفكار كما قال ملك مشاع لعامة الناس، وأن كل ما يقال اليوم سبق أن قيل منذ ألوف السنين، وإنما الشأن في سبل استعمالها وصياغتها بأسلوب فني رفيع.

وهو ما لاحظه الجاحظ من قبله بقرون طويلة في حديثه عن اللفظ والمعنى : "المعاني مطروحة في الطريق… وإنَّما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج… فإنَّما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير".

أناتول فرانس كان يدافع يومها عن ألفونس دوديه، وكان أحد الكتاب الشبان قد اتهمه بسرقة مشروعه المسرحي، فردّ عليه بقوله : "إن المشروعين متماثلان من حيث اتخاذهما الأحاسيس موضوعا، ولا أحسب أن أحدا، أيا ما يكن، يمكن أن يستأثر بالأحاسيس والمشاعر. ثم إن الفكرة موجودة منذ القدم، وبالتالي فإن الشاب قد يكون سطا عليها هو أيضا، ولكنه، خلافا لدوديه، لم يحسن استعمالها".

وضرب مثلا على ذلك سارقين نابغين، هما موليير الذي أخذ عن بول سكارّون فصلا كاملا في مسرحيته "مدّعي الورع" Tartuffe، وسكارّون نفسه الذي استمد نصَّه من مسرحية للأسباني تيرسو دي مولينا. فالفضل في نظر أناتول فرانس ليس لمن سبق صاحبه، بل لمن كان أقدرَ على ترسيخ المعاني والأفكار والصور الفنية في ذاكرة البشر.

وصفوة القول إن الكتاب يأخذ بعضهم عن بعض، عن وعي تام في أغلب الحالات، يتصيدون اللآلئ في أعماق النصوص، قديمها وحديثها، فأما فاقد الموهبة فلا يعرف كيف يستغلها، لأنه لا يميز الدرّ من البرَد، وأما الموهوب فيصنع منها عقدا على غير مثال. وهو ما يؤكده أناتول فرانس في قوله : "كل ما يأخذه موليير يتملّكه، لأنه يسمه بميسمه".

14