الأدب عين رائية تنقذ الفرد من الجماعة

دوريس ليسنج في "سجون نختار أن نحيا فيها" تعرض أفكارها حول همجية البشر بين الحاضر والماضي وتحاول تحرير العقل الفردي.
السبت 2019/08/03
تحرير العقل من مركب الجماعة (لوحة للفنانة نور بهجت)

ما زال التساؤل القديم عن أهمية وجدوى الأدب في الحياة البشرية ساريا؛ هل يستطيع الأدب أن يغيّر نظرتنا إلى الواقع الذي نحيا فيه، أو حتى يجمّله كي نتكيّف معه للعيش فيه، ونتواءم مع أنساقه؟ وقد قدّم كثيرون إجابات متعدّدة ومغايرة إلى حدّ الاختلاف.

تأتي الأديبة البريطانية دوريس ليسنج (1919 – 2013) الحاصلة على جائزة نوبل في الآداب (2007)، في كتابها الصادرة ترجمته حديثا بتوقيع سهير صبري بعنوان “سجون نختار أن نحيا فيها” لتقدم لنا وظيفة مهمّة للأدب تتمثّل في اعتبار الأدب بمثابة “عين أخرى” تساعدنا في الحكم على أنفسنا.

اللافت أن الأديبة البريطانية في كتابها، الصادر عن دار "العين"، بالاشتراك مع المركز القومي للترجمة في مصر 2019، وهي تقدّم قراءة ثقافية لأحداث الواقع، قدمت لنا وظيفة ثانية للأدب تتمثّل في تفسير الظوهر.

الولاءات العمياء

على مدار خمس مقالات تدمج بين الذاتي والموضوعي، استطاعت الكاتبة أن تقدّم لنا تفسيرات متعدّدة لأحداث ووقائع مرّت بها، لتقدم خبرة حياتية من منظور سوسيوثقافي عن واقع سياسي واجتماعي مضطرب، تماهت فيه حدود الفرد مع حدود الجماعة، وصار عقل الفرد تابعا (مغيبا) أو أسيرا لفكر عقل الجماعة، حاملا لأفكارها.

هذه الخبرة في حقيقة الأمر تنبع من مثقف عضوي فاعل بتعبير غرامشي، يتفاعل مع واقعه لا ينعزل عنه في صومعته، بل ينخرط في معتركه. فتحذّر من وقع العواطف الاجتماعية وتأثير السياقات الاجتماعية علينا، التي من الصعب أن نفصل أنفسنا عنها.

عبر تجربة شخصية متمثلة في قصة كتابها “جين سومرز” وقد وضعت عليه اسما رمزيا، وعندما عرضته على الناشرين قوبل بالرفض، ثم أعلنت عن لعبتها وخرج الكتاب تحت اسم “مذكرات جين سومرز“، عبر هذه التجربة تنقل دوريس أثر السّير في ركب الجماعة كقطيع. فالقاعدة تقول “أتبع قائدي، الجميع يقولون الشيء عينه في الوقت عينه، كما يقول العقل الجمعي”.

من الأدب والتاريخ يمكن أن يتعلم المرء كيف يكون مواطنا وإنسانا وكيف ننظر إلى أنفسنا وإلى المجتمع

قلة فقط من الناس هم من يتبعون عقولهم وإرادتهم في قراراتهم. وهذا ما يقودنا إلى الإذعان للسلطة وتنفيذ الأوامر مهما كانت وحشية وقاسية، كما حدث في تجربة ميلجرام، ومرجع هذا لأن الإذعان جزء من سلوك إنساني عام. ومع الأسف تستغل هذه الحكومات، فبدلا من سعي الحكومات لتحرير رعاياها من ضغوط وخطابات الحكومة والدولة، تعمل على العكس فتستند على الولاء المتقد والخضوع لضغوط الجماعة.

ومن هنا تُشدّد ليسنج على ضرورة التعليم، فالمعلومات هي التي ستطلق سراح البشر من الولاءات العمياء والانصياع للشعارات والوقوع تحت ضغط الجماعة، بل هي التي ستزيل غشاوة العين، كي لا يسير البشر في ركب الجماعة، ويؤمنون بكل ما يقال حتى الأخطاء.

وبمناسبة التعليم ترى أنّ الأدب والتاريخ هما فرعان عظيمان، من الممكن أن يتعلّم منهما المرء أن يكون مواطنا وإنسانا، كما يمكن أن نتعلّم منهما كيف ننظر إلى أنفسنا وإلى المجتمع الذي نحيا فيه بطريقة رزينة هادئة ناقدة.

الكتاب في أصله محاضرات ألقتها الكاتبة برعاية هيئة الإذاعة الكندية في عام 1985. ناقشت الروائية من خلالها مسألة في غاية الأهمية، تتمثل في سؤال: لماذا يهمين علينا ماضينا الهمجي، كأفراد وجماعات؟ لا يأتي هذا التساؤل قرين مصادفة، وإنما عن تجربة.

تأملات دوريس ليسنج في التطور الإنساني
تأملات في التطور الإنساني

 وتذكر مثلا حادثة الحكم على شجرة بالإعدام لأن الجنرال بيتان الذي وصف في وقت ما بأنّه “منقذ فرنسا” توارى خلفها ولحظتها كان قد وصف بـ”خائن فرنسا”، فأعدمت لتعاونها مع الخائن.

بناء على هاتين الحادثتين تقول ليسنج، إننا في زمن من المخيف فيه أن نكون أحياء، ففي كل مكان ثمة عداء وهمجية، ولكن دون مقدرة على كبح أي منهما. الحادثتان أشبه بتأكيد لسقوط الإنسان رغم تفوقه في الكثير من دروب الحياة في قبضة السلوك الحيواني، وفي المقابل ثمة تراخ لقوة العقل والرشد والتحضر، وبوصفها هي تحديدا فقد “أصبحنا منوَّمين مغناطيسيا”.

وما يدعو إلى الأسف أنه بعد عدة آلاف من السنين من المعرفة التامة بالكيفية التي يتعين أن تدار بها الدولة، ما زلنا بعيدين جدا عن تحقيق ذلك.

ملاك الحقيقة الدامغة

تدين ليسنج فكرة الانقسامات في المجتمعات والتي تضع رؤانا وفق ثنائية الصواب والخطأ، وتقول إنّ هذا محض هراء، فالتطوّر على مرّ التاريخ يسير كله عبر التفاعل والتأثير المتبادل، بما في ذلك أشدّ الأفكار وأنماط السلوك جنوحا وعنفا، تغزل في النسيج العام للحياة الإنسانية كأحد خيوطها، فكما يقول هرقليطس الفيلسوف اليوناني القديم “كل الأشياء في تدفق دائم…”.

الشيء المرعب هو تحوّل الصديق إلى عدو، من خلال تغذية وعي الفرد بوعي الجماعة التي ينتسب إليها، خاصّة إذا كان في مجتمع وثيق الصّلة ببعضه. فأي اختلاف مع أفكار هذا المجتمع عندئذ فأنت تخاطر بأن تتحوّل، في نظرهم، إلى تافه ومجرم وشرير، ومع الأسف هذه عملية آلية يتصرف الجميع هكذا. وإن كان ثمة رهان على الأقلية التي تنجو من هذا الفعل، لذا علينا كما توصي ليسنج، أن نعلّم أبناءنا تعزيز الأقلية وليس تبيجل الجماعة.

فهي تراهن على دور الفرد في تحدي منظومة الجماعة، وإحداث التأثير اللازم حتى لو وصف في عصره بالمهرطق أو المجرم الكبير، كما حدث مع إخناتون الذي تحدى معتقدات متوارثة غارقة في عبادة الموت، فوضع ديانة تقوم على الحب والنور، مقابل ديانة الموت، إلى أن جاءت اللحظة، حتى ولو متأخرة، التي يعترف بها الجميع بصموده الفردي في مواجهة أنساق الجماعة.

لا تنفصل حالات الجنود الأميركيين، وهم يعترفون على أنفسهم بجرائم فظيعة لم يرتكبوها في الحرب الكورية، عن عمليات غسيل الدماغ التي مورست على العديد من الجنود، التي تفسّر عمليات عدم التصديق من قبل الكثيرين لهذه الاعترافات.

فالحقيقة التي تعترف بها ليسنج أننا جميعا تعرضنا بدرجة أو بأخرى لعملية غسيل الدماغ من قبل المجتمع الذي نحيا فيه. أبسط مثال على عمليات التزييف، هو الصور الذهنية التي شكّلت نظرتنا عن بلدان، وعندما زرناها اكتشفنا عملية غسل الدماغ التي تعرضنا لها.

خلاصة خبرة حياتية من منظور سوسيوثقافي عن واقع مضطرب
خلاصة خبرة حياتية من منظور سوسيوثقافي عن واقع مضطرب

عبر هذه العمليات تصبح عمليات الاستغلال لكل المعلومات التي تتوفر عن أنفسنا، في حوزة خبراء توظّفهم كل حكومات العالم تقريبا الآن لإدارة رعاياها بمكر ودهاء. وهذا الأمر صار صناعة أشبه بـ”صناعة الاستعراضات” يمارسها السياسيون وهم يطلقون حملاتهم الانتخابية، فريجان، مثلا، وصل إلى البيت الأبيض عن طريق شباك التذاكر.

من الأشياء التي تدعو إلى الأسف أن التكنولوجيا الحديثة تسير يدا في يد مع المعلومات النفسيّة الجديدة، حيث تستخدم في عملية ترويض للجنود المقدّر لهم الوجود على الخطوط الأمامية، فيعمدون على إفقادهم حساسيتهم بتعريضهم عمدا إلى درجة من الوحشية تفقدهم قدرتهم على رؤية من عليهم مهاجتمهم. الغريب كما تقول ليسنج أن هذه التكنولوجيا وتخص التلفزيون والسينما، تقوم بهذه العملية عينها، فتعرضنا لدرجة من القسوة الوحشية من كل نوع حتى نفقد حساسيتنا على نحو عرضى.

وعبر هذا الاستنتاج تفسر سبب فقدنا القدرة على الاحتجاج رغم رؤيتنا للأهوال الجارية في أنحاء العالم. فقد فقدنا حساسيتنا تماما مثل أولئك الجنود الذين حُولوا عمدا إلى قساة.

الكتاب في مجمله يقدّم إجابات عن أسئلة تلحّ في واقعنا المعاصر، عن إخفاق الثورات، وعن تأييد بعض الأفراد للحرس القديم والثورات المضادة، وعدم رغبتهم في التغيير، عن العنف المفرط في تعاملاتنا وسلوكياتنا مع بعضنا البعض.

13