الأدب في زمن الثورة جدل لا ينتهي

السبت 2014/08/23
محفوظ أدخل السياسة في أعمال كثيرة، غير أنها ظلت باقية، ولم تضعفها السياسة

القاهرة - لم يكن المثقفون بمنأى عن التطورات السياسية التي تشهدها البلدان العربية، والناجمة عن ثورات ما يسمى بالربيع العربي، فلم يكتف الكثيرون منهم بالمشاركة في الهم العام، وسط صيحات الملايين من أجل المطالبة بإصلاحات سياسية ومجتمعية عديدة، بل راحوا يُعبّرون عن ذلك تعبيرا فنيا في أعمالهم الأدبية، بشتى أنواعها.

يبدو أن صورة التطورات السياسية التي تشهدها البلدان العربية “لم تكتمل بعد” في بعض من فصولها، لا سيما مع تواصل التطورات وتعاقب الأحداث، التي لم تسفر عن استقرار نهائي لسفينة الربيع العربي على الشاطئ المنشود، إلا أن الكثير من الأدباء تعجلوا النهاية فصوروها في أعمالهم، وكتبوا العديد من المواد القصصية والروائية، التي تجسد مشاهد اصطفاف الثوار وصيحاتهم التي بلغت عنان السماء.

فيما راح نقاد يستنكرون “التعبير الآني أو اللحظي” عن تلك التطورات السياسية في أعمال أدبية، فالصورة لم تكتمل بعد، الأمر الذي قد يهدّد اكتمال الإلمام الأدبي الكامل بالمشهد.


ثلاثية محفوظ


ما يستدل به النقاد في هذا الإطار، هو أن الأديب المصري الراحل، الحائز على جائزة نوبل في الأدب، نجيب محفوظ، قد عبّر عن ثورة 1919 أدبيا في ثلاثيته الشهيرة وهي “بين القصرين” و”قصر الشوق” و”السكريّة”، عقب تلك الثورة بما يزيد عن ثلاثين عاما من قيامها، لا سيما وأن تلك الثورة قامت وكان محفوظ وقتها ابن ثماني سنوات فقط، وهو ما يؤكده كذلك الناقد الأدبي والقاص صديق نجيب محفوظ، زكي سالم، والذي يوضح أن محفوظ عبّر عن ثورة 1919 بعدها بعشرات السنين، مؤكدا أن الأعمال الإبداعية لا يجب أن تكون على هذا النحو أي بصورة مباشرة لوقوع الحدث.

غير أن رغبة المبدعين الدفينة في التعبير عن واقعهم والاستسلام لشهوة الكتابة والإبداع، تدفعهم دفعا لصياغة مواد أدبية تتحدث عن الثورة والسياسة والتغييرات المجتمعية الناجمة عن ذلك كله، وهو المبرر الذي يتحدث عنه “سالم”، مؤكدا أنه لا يستطيع أحد أن يحجّر على المبدع أو يصادر حريته في الكتابة، غير أن التعبير عن الوقائع والأحداث العظيمة مثل الثورات يستلزم اكتمال الرؤية والتعبير عنها بعد سنوات طويلة.

بعد الثورة المصرية ظهرت مجموعة من النصوص الضعيفة، والتي هي أشبه بحنجرة ضخمة تصرخ هاتفة ابتهاجا بالثورة


الأدب والسياسة


كان لبعض النقاد رأي آخر، يتعلق بتعبير الأدباء عن الواقع السياسي بصفة عامة، إذ يرون أن إقحام السياسة بصورة مباشرة في الأدب، يضعف من المادة الأدبية، ويجعلها مرهونة بالانتماءات السياسية الضيقة، الأمر الذي يضفي نوعا من الجدل حول المادة الأدبية، لا سيما مع تغير السياسات والتوجهات والرؤى، الأمر الذي قد يشكل عائقا أمام المبدعين في تناول المواد التي تتحدث عن الثورة.

في حين يرى البعض الآخر أن ذلك الأمر مرهون في المقام الأول بمدى حرفية الكاتب في التصوير وعدم التعبير عن لون سياسي واحد في العمل، فنجيب محفوظ نفسه أدخل السياسة في أعمال كثيرة، غير أن تلك الأعمال ظلت باقية، ولم تضعفها السياسة، ما يعني أن العملية نسبية وتتوقف على المبدع نفسه.

وبدوره، قال الروائي الشاب هاني دعبس صاحب واحد من الأعمال الروائية التي تتحدث عن الثورة من خلال أحداثها وهي رواية “الحب في زمن الثورة”، قد لفت إلى أن التطورات السياسية في مصر، هي التي دفعته إلى الكتابة، قائلا: “أعتقد أن الأمور في ما يتعلق بالثورة المصرية قد حسمت بتولي الرئيس عبدالفتاح السيسي رئاسة مصر، ومن ثم فالتطورات السياسية تصب في ذات الاتجاه، وليس في اتجاه معاكس”، وحول مدى تأثر الأدب بإقحام السياسة فيه، استطرد: “أظن أن دخول السياسة في الأعمال الأدبية يجعلها أكثر واقعية”.


التعبير اللحظي


بينما يثار العديد من الإشكاليات التي تلاحق الأعمال الروائية في ما يتعلق بالتطورات السياسية والتعبير اللحظي عن المشهد السياسي، إلا أن الأعمال الشعرية وربما القصصية أيضا كانت بمنأى -بعض الشيء- عن تلك الإشكاليات، إذ جاء تعبير الشعر قويا عن التطورات التي تشهدها الساحة السياسية المصرية، وحظي العديد من القصائد بترحيب واسع، وشعبية هائلة، عبّرت عن الثورات، لا سيما وأن الشعر -بصفة خاصة- يتناسب مع التعبير اللحظي والآني للتطورات بعكس المواد الروائية الطويلة والمعمقة، ومن ثمّ ظهر “شعراء الثورة” في مصر، وظهرت قصائد عبرت عن الثورة في بلدان الربيع العربي، وارتبطت في أذهان المتلقين أو الجمهور بوقائع محددة، على سبيل المثال قصيدة الشاعر المصري هشام الجخ “مزق قصائدك”.

ثلاثية محفوظ الشهيرة عبرت عن ثورة 1919 بأسلوب أدبي خالص


مصر نموذجا


بيد أن هناك العديد من الإشكاليات النقدية التي تلاحق فكرة التعبير اللحظي الروائي عن التطورات السياسية، إلا أن ذلك لم يمنع بأي حال من الأحوال ظهور العديد من الأعمال التي تتناول الثورة، وأوجاع وهموم الوطن، فكانت للكتاب المصريين إسهامات عديدة، لا سيما الكتاب الشباب الذين عايشوا عمليا وميدانيا لحظات الثورة وقاموا بتدوينها في أعمالهم الروائية، وكذلك الروائيون السوريون، الذين أفرد كثير منهم أعمالهم للتعبير عن تلك الدماء التي تحيط بالمشهد في سوريا.

وفي حديث خاص رصد الناقد الأدبي حسام عقل، ظاهرة الأعمال الأدبية التي حاولت أن تؤرخ للثورة المصرية، قائلا في البداية: “كان يتعين على المبدعين أن يسمحوا بوجود مدى زمني يكفل لهم تمثيل الحدث”، غير أنه أوضح في السياق ذاته أن الأمانة النقدية تحتم على الناقد أن يؤكد أنه “لم يظهر النص الفني الجيد الذي يعبر عن ثورة 25 يناير 2011، بعدُ”.

وأوضح أنه “حتى الآن لم يظهر العمل الأدبي الذي يعبر عن الثورة، ولو كان هناك العديد من النصوص الاستباقية التي بشرت بالثورة وكانت إرهاصات لها، منها على سبيل المثال حزام إبليس لمحمد الجمل، ومسيرة الأكفان لمحمد عبدالسلام العمري، حيث ظهرت هذه النصوص قبل الثورة بنحو ما يقرب من العام، على نحو يذكر بفكرة زرقاء اليمامة التي تستطيع التنبؤ بالخطر الداهم أو الحدث القادم”.

وتابع: “بعد الثورة المصرية ظهرت مجموعة من النصوص الأدبية الضعيفة، والتي هي أشبه بحنجرة ضخمة تصرخ هاتفة ابتهاجا بالثورة، على نحو نجده على سبيل المثال في بعض الروايات مثل رواية ليلة التحرير لمحمد عون، وبعض القصائد مثل طلل الوقت لأحمد عبدالمعطي حجازي، وجميعها نصوص بالغة الضعف من الناحية الفنية، لكنها حاولت اللحاق بقاطرة الثورة المصرية”.

17