الأدب لا يطعم خبزا في غزة

الروائي الفلسطيني هاني السالمي يرصّ الكتب التي يطالعها ويكتبها في زاوية غرفة مظلمة ليفتح عربة تبيع القهوة والمشروبات الساخنة في شوارع غزة ليعيل أسرته.
الأربعاء 2019/04/24
عندنا قهوة وكتب

يبدو أن نصيب الأدباء في الوطن العربي وخاصة في الدول التي تعيش الحصار أو الفوضى هو أن يعيشوا شظف العيش إذا ما اختاروا الكتابة مهنة لهم، فهذه المهنة لا تسد الرمق في عالم تعتبر القراءة آخر اهتماماته، لذلك يجبر بعضهم في غالب الأحيان على البحث عن وظيفة تجعله يوفق بين متطلبات الحياة والكتابة التي تصبح بمثابة الإدمان، لكم ماذا لو لم يحصل الأديب على وظيفة نظيفة؟ الكاتب الفلسطيني هاني السالمي الذي يعيش في قطاع غزة اختار أن يبيع القهوة والمشروبات الساخنة على قارعة الطريق ليكسب قوت أسرته.

 غزة (فلسطين) - لم يكن هيّنا على الروائي الفلسطيني هاني السالمي، أن يرصّ الكتب التي قضى عمره بين دفاتها يطالع ويقرأ ويكتب، في زاوية غرفة مظلمة، بعد ما لم تُفدْه في الحصول على مصدر رزق، ينفق منه على أسرته وطرق أبواب اتحاد الكتاب الفلسطيني مرات دون إجابة بسبب الضائقة المالية والإدارية التي يعيشها الاتحاد.

السالمي (40 عاما)، الذي ألّف عدة روايات وقصص للأطفال، آمن أخيرا، بأنّ القلم داخل قطاع غزة المُحاصر منذ سنوات، والذي تزداد فيه نسبة البطالة، لم يعد يُطعم خبزا، بل لعله طريق يدحرج صاحبه إلى الفقر والعوز.

كان الحل الوحيد للسالمي، أن يكون هو بطل الرواية هذه المرة، عندما وضع بيديه عربة في وسط مدينة خان يونس، جنوبي القطاع، لصنع المشروبات الساخنة والسريعة خاصة منها القهوة لبيعها على قارعة طريق بمبالغ زهيدة، لعلها توفر لعائلته ما يسدّ رمقها.

يقول السالمي، وهو أبٌ لأربع فتيات، إنه عمل في عدة مهن، تحتاج إلى “عضلات”، لا إلى عقل وثقافة وإبداع، بسبب ندرة فرص العمل في القطاع، فعمل مثلا في مجال البناء، وفي فترة سابقة كان “عتالا”.

السالمي لم يكن الكاتب أو الشاعر الوحيد الذي يمر بهذه الأزمة، فغالبية كتّاب وشعراء القطاع عاجزون عن توفير دخل يكفي للعيش من إبداعاتهم، وهو انعكاس واضح لما تعانيه الحالة الثقافية عموما من شحّ في الموارد، وتراجع مستوى الاهتمام بالقطاع الثقافي في فلسطين وعموم الوطن العربي.

ووصف الأديب الكتابة في غزة بـ”الأمر المرهق والمتعب والمُكلف، والذي لا يثمر أي ثمن مادي”، لكن رغم ذلك فهي ستبقى “أداة فعّالة في فضح الجرائم الإسرائيلية”، كما قال.

الروائي الفلسطيني، الذي يعيش في مخيّم المدينة، بدأ الكتابة منذ أن كان طفلا، حيث شعر بأن ظروف حياة اللاجئين الفلسطينيين داخل المخيم ثرية بمواد ترغم الناس على الكتابة.

روائي فلسطيني يبيع القهوة في الشوارع ليعيل أسرته
روائي فلسطيني يبيع القهوة في الشوارع ليعيل أسرته

“تشعرني الكتابة بأنّي مقاوم”، هكذا كان شعور السالمي ولا زال، حينما يكتب عن المخيّمات الفلسطينية، فالكتابة بالنسبة للفلسطينيين أنفسهم باتت “عملا مقاوما”.

احترف السالمي الكتابة منذ عام 2007، حينما صدرت أول رواية له بعنوان “النُدْبَة”، قائلا، “تلك الرواية حازت على لقب أفضل رواية شابة عن جائزة عبدالمحسن القطان، للكتّاب الشباب الفلسطينيين وهي جائزة محلية”.

وكانت تلك الرواية نقطة الانطلاق للروائي الشاب، حيث بدأ بعدها في عالم الطباعة فطبع مجموعة من الروايات.

ولاحقا، كان للسالمي، عدة روايات، منها “حين اختفى وجه هند” و”هذا الرصاص أحبه” و”سر الرائحة” و”الظل يرقص معي” و”الماسة” و”قلب طابو” و”الأستاذ الذي خلع بنطاله” و”الحافلة رقم 6” و”الجنة الثانية”.

ويقول إنه حاول في رواياته المختلفة، إظهار قطاع غزة المحاصر بصورة أجمل مما هو عليه، وإيصال رسالة أن “سكانه ومناطقه مليئة بالفنّ والإبداع”.

ومن العوائق التي حالت دون أن يجني بعض عائدات من مؤلفاته، عدم قدرته على السفر لتوقيع كتبه، يقول، كنت كثيرا ما أتلقّى دعوات إلى توقيع كتبي في الدول العربية، لكنني لم أستطع التلبية، لأنني لا أملك ثمن تكاليف السفر والإقامة، حتى أن هناك كتبا لي لم أرها لأني لم اقدر على دفع ثمن تحويلها لي عبر البريد من الدول العربية التي نشرت فيها”.

السالمي شغل عقب تخرّجه من جامعة الأزهر بغزة، (تخصص تربية، علوم) عام 2002، عدة وظائف “مؤقتة”، داخل منظمات غير حكومية، كمدرب في مجال “الأدب” للكتابة الإبداعية لإنتاج القصص القصيرة.

الظروف التي يمرّ بها قطاع غزة كانت “قاهرة” جدا، ولم تمكّنه من الحصول على عمل “دائم” في مجال الأدب والكتابة.

وقبل أقلّ من عام، دفعت الظروف الاقتصادية التي عاشتها عائلة السالمي به إلى التفكير بافتتاح هذه العربة الصغيرة لبيع القهوة والمشروبات الساخنة على أحد أرصفة المدينة.

في بداية الأمر، شعر الروائي بالأسى الشديد، حيث لم تعتد يداه التي طبعت كتبا وروايات صناعة القهوة للمارّة، يقول، كنت اشعر بالخجل في بداية الأمر، وكنت أخفي وجهي حين يمر أحد زملائي أو أصدقائي من الكتّاب، لكن مبلغ العشرة شواكل الذي أعود به لمنزلي، وأرى فرحة بناتي حين يحصلن على مصروفهن، أمر يستحق المغامرة.

يوما بعد آخر، نجح في كسر “حاجز القهر”، الذي خلّفه الحصار الإسرائيلي في قلوب الفلسطينيين، وبات فخورا بمهنته التي توفر له قوت يومه.

مبادرة السالمي وعكس ما كان يتوقع، وجدت استحسانا من قبل أصدقائه ودفعا للحرج وتشجيعا له على الخروج من الضائقة الاقتصادية التي يعيشها خاصة وأنه رب أسرة، فقد كتب صديقه نبيل الزعيم، على حسابه في موقع فيسبوك، قائلا، “شكرا هاني أنك قررت البحث عن قوت يومك بأي طريقة، وشكرا لأنك آمنت أن رزقك سيصلك أينما كنت، لأنه ببعض السعي فسيعرف رزقك طريقه إليك إذا لم تعرف أنت طريقه”.

وفكر السالمي في الهجرة، لكنه تراجع لأن الصراعات والمعاناة في كل العالم وأينما ذهب الإنسان، قال، “قد تكون الصراعات دامية كما في الوطن العربية، وقد تكون ناعمة كما في العالم الغربي، لذلك قررت البقاء في غزة التي ولدنا فيها وعشنا فيها، منتظرا الفرج علّي أستطيع سداد الدين الذي اشتريت به العربة”.

حياة الناس اليومية وتفاصيلها خير ملهمة للكتابة
حياة الناس اليومية وتفاصيلها خير ملهمة للكتابة

وأمام عربته التي تحمل موقدا يعمل بالغاز، يعلوه رف محمّل بعلب البن والشاي، يرتّب السالمي في هندامه الأنيق بعض الكراسي التي وضعها هناك منذ ساعات الصباح الأولى في انتظار الزبائن، وبخاصة سائقي الأجرة الذين يأتون بحثا عن فسحة صغيرة للراحة واحتساء مشروب ساخن.

ويقول السالمي، “رائحة القهوة ومذاقها يقدم للناس بطعم الكلمات، ويبدو أن القهوة هي روح الكتابة وأنا أقدّم روح الكتابة”.

روح الكلمات في قهوة يصنعها الأديب هاني لزبائنه العابرين، ويضع بين أيديهم مختارات من أعماله الروائية، لتروي قصة أدب لم يعُد يُطعم خبزا اليوم.

الكثير من الأحاديث الأدبية، يخوضها الزبائن مع السالمي الذي يقصون عليه حكاياتهم أيضا عن الغربة والأمل والسفر وفقدان الهواية وكل قصص المعاناة، وهو يجمع هذه الحكايا عازما على تحويلها إلى روايات خلال الفترة المقبلة لتضاف إلى رواياته.

وقال، “الروائي يتمتع بعقل إسفنجي يخزن الأحداث، ويتعامل معها كأنها قطرة ماء يمتصها وقت العطش، ليبدأ بكتابتها حيث يعتبر الضوضاء التي يعيشها في الشارع ملهمة لكتاباته، وكأنها موسيقى تصويرية لنصه.

وأوضح السالمي أن الظروف الاقتصادية الصعبة لن تثنيه عن مواصلة كتاباته، وعبر عن أمله بأن تفتح أمامه آفاقا جديدة وأن يستعيد طاقته في عملٍ يناسب علمه وفكره وإبداعه.

الكتابة في غزة أمر مرهق ومتعب ومكلف ولا يثمر مقابلا ماديا يعيش به الكاتب والشاعر
الكتابة في غزة أمر مرهق ومتعب ومكلف ولا يثمر مقابلا ماديا يعيش به الكاتب والشاعر

 

20