الأدب ليس لعبا بالخيال أو نزوة متوحدة لدماغ مهتاج

مترجم كتاب "التاريخانية الجديدة والأدب" حسن أحمامة: يمكن للباحث قراءة التراث العربي، والأدب العربي من زاوية مخالفة بهدف الوصول إلى دلالات عميقة أخفتها هذه النصوص.
السبت 2018/04/07

ما كتبه الروائيون والشعراء، حسب تفسير النظرية النقدية التاريخانية الجديدة، محض دعاية وتدوين، لتبرير ما يعيشه الفرد في ظل السلطات المتحكمة، التي يعيش فيها الروائي أو الشاعر أو الكاتب إلا فيما ندر منها. وقلة مبتسرة من النقاد العرب عرفوا هذه النظرية، واستخدموا أنساقها النقدية، لتحليل النصوص الإبداعية للتراث العربي أو للإبداع العربي المعاصر.

النظرية النقدية الجديدة ظهرت في الثمانينات من القرن الماضي في الولايات المتحدة الأميركية على يد الناقد ستيفن غرينبلات، وهو أول من طرح نظريته في النقد في كتابه “الصدى والأعجوبة” سنة 1990 ووضّح رؤيته بقوله “يجب على النقد أن يأخذ بعين الاعتبار العصر الذي عاشه كاتب النص والمؤثرات التي مورست عليه من قبل السلطة التي تحكمت به وبشؤون زمانه ومكانه”.

واتخذ غرينبلات نظريته بناء على فرضية أن العمل الأدبي من “نتاج وابتكار فرد واحد، لكن الكاتب ونصه محكومان بحياة من يحيطون به، وظروف زمانهم ومكان عيشهم”.

وأشار لحسن أحمامة مترجم كتاب “التاريخانية الجديدة والأدب” إلى مجموعة من النقاد، والذي صدر مؤخرا عن المركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء في مقدمته للكتاب، مستشهدا بالنص الشعري والنثري في العصر العباسي. فقال، حسب دراسة أعدَّها الناقد تايسن لويس من مؤلفي الكتاب، عن هذه الفترة في تاريخ الأدب العربي “يمكن للباحث أو الناقد قراءة التراث العربي، والأدب العربي بصفة عامة، من زاوية مخالفة بهدف الوصول إلى دلالات عميقة أخفتها هذه النصوص.

فالنص الإبداعي، التراثي بشكل خاص، كيفما كان نوعه، هو وليد عصره، تفاعل مع الشروط والأنساق التاريخية والثقافية، التي أسست لظهوره أو أدت لتخلقه”.

وأضاف “لقد كان التراث العربي محكوما بشروط سعت السلطة في ذلك الإبان إلى تكريسها وفق آليات تلائم ما ترومه هذه السلطة وتحقق مبتغاها. ولعل إحدى الآليات الهامة التي التمستها السلطة خاصة السلطة العباسية، لتدجين العديد من الأدباء والكتاب والشعراء، تمثلت في العطاء الجزيل. الذي كان النظام الحاكم يغدقه على معظمهم، مما أدى بالعديد من النقاد والمؤرخين إلى اعتبار الشعر العربي كان في أغلبه تكسّبيا: أبوتمام، البحتري، أبودلامة، المتنبي، وغيرهم”.

وتضمن الكتاب الجديد في النقد أبحاثا عن النظرية للباحثين ستيفن غرينبلات، لويس أ. منتروز، كاترين غالغر، فرانك لينتريشيا، ولويس تايسن.

النص الإبداعي، التراثي بشكل خاص، كيفما كان نوعه، هو وليد عصره، تفاعل مع الشروط والأنساق التاريخية والثقافية، التي أسست لظهوره أو أدت لتخلقه

وعمل عليها (الأبحاث) هؤلاء النقاد لتفكيك أي نص أدبي، بدراسة نموذج الشخصية الإنسانية في النص، وطريقة التعبير عن الصور لعلاقاته مع الآخرين. وإجراء كشف للحدث في النص لتحديد النموذج التاريخي الذي يظهر الحقيقة، ودور السلطة في إبرازها أو إخفائها.

ودرس ذلك من خلال شخصية في “أغنية الجلاد” وهي رواية حياة حقيقية كاتبها نورمان ميلر. حكى فيها ميلر عن حياة المدان قانونيا غاري جيلمور، الذي أطلق سراحه في سنة 1976، لكنه بعد شهور قليلة قام مجددا بالسرقة وقتل رجلين.

وصدر الحكم عليه بالإعدام بعد ذلك، فجمع المؤلف المرافعات التي دارت في المحكمة ورسائل جيلمور الحميمة بينه وبين عشيقته لينشرها.

كما اعتمدت الدراسة على إبراز دور الأحداث التاريخية التي تظهر خلال النص، وطريقة المعالجة، وموقف الأبطال منها، والمستويات الثقافية التي تجري فيها أحداث النص. وطرح مستويات كشف النص لكل ذلك، إضافة إلى إضاءة الروابط بين اللغة المستخدمة في النص والسلطة ومستوياتها.

ورأى منتروز أن وصف فيري كوين أو هاملت في نصين مركبين، لا يرتد إلى المصطلحات الجوهرانية في الجماليات النقدية الجديدة، بل يقوم بتوصيف وضع النص بوصفه خطابا منتجا ومخصصا داخل التاريخ، وداخل تاريخ الإنتاجات، والتخصيصات الأخرى. ووضع منتروز الآليات التي تعمل بها السلطة من خلال تأثيرها على مخيلة الكاتب بصورة صريحة أو من خلال آمال خفية للكاتب في نيل رضاها.

ورأت كاترين غالغر، ضرورة تحديد العلاقات مع السلطة، التي هي من “مضان النص الخفية أو الجلية، مما يستلزم قراءة النصوص الأدبية وغير الأدبية باعتبارها مكونات خطابات تاريخية. توجد داخل وخارج النصوص، وبكون ممارسيها لا يسلّمون عموما بتراتبية ثابتة للسبب والنتيجة، لما يقتفون أثر الترابطات بين النصوص والخطابات والسلطة“.

ورأت غالغر “أن لا ممارسة ثقافية أو نقدية إلا هي ببساطة سياسة مقنَّعة، وأن هذه الممارسات نادرا ما تكون إما تحررية وإما قمعية جوهريا”.

ورأى فرانك لينتريشا في ميراث فوكو الكثير، مما يعني نظرية التاريخانية الجديدة، واعتبر كما فوكو أن “الأدب ليس لعبا بالخيال” ولا يمكن تجريده من أهدافه المضمرة. كما أنه “ليس نزوة متوحدة لدماغ مهتاج”. مؤكدا أهمية الأدب بغاياته المختلفة بقوله “إنَّ قصيدة شعرية عظيمة ورواية رائعة واعترافات رجل متفوق، لهي تثقيفية أكثر من ركام المؤرخين بقصصهم”.

وأكمل عن ضرورة الأدب، فهو يعتبره كـ”جهاز رائع للحساسية الاستثنائية، التي بواسطتها يفك الأطباء ويقيسون تغيرات الجسد الأكثر تعقيدا ودقة”. وبالرغم من أن المدافعين عن السلطة يوصون بتقديس تاريخياتها، ويحاولون احتواء أي هدم لمفاهيمها من قبل الأدب، وضرورة الالتزام بالحق والواجب، وما يجب أن يُكتب أو لا يُكتب، لصيانة الحاضر من التهديم. إلا أن ذلك يتم بأشكال ومهارات عديدة للكتاب، والمؤلفين لا تدركها السلطة ولا المدافعون عنها.

وعلى سبيل تطبيق النظرية الجديدة على النص العربي، جاء فيه عن كتاب البخلاء للجاحظ، أنَّه ليس كما جاء في اعتقادنا أنه كتاب يكن الطرفة بهدف التسلية، وإنما هو “نص مخاتل، ظاهره ضحك وتنكيت، وباطنه فيه النقد اللاذع أعلى من شأن الكرم المفرط. ولم يكن الجاحظ بالكاتب الساذج”.

15