الأدب متفوق على الصورة والفنون الأخرى

الكاتب السعودي ماجد سليمان: المبدع الجاد رهين بيته يقرأ ويكتب وينشر أعماله بعيدا عن الملتقيات الثقافية.
الخميس 2018/04/26
الأديب في مواجهة الصورة (لوحة للفنان بسيم الريس)

قد تضيق أشكال الأدب على المبدع فيتنقل من منصة أدبية إلى منصة أخرى باحثا ومجرباً الكتابة الجديدة وفق شروط مختلفة ومناخات مغايرة، ليعبر عن همومه وهواجسه وأسئلته باشتراطات أدبية جديدة، لا يمكن أن تحصره في قالب ثابت يضيق على أفقه ورؤاه. “العرب” تحاور الكاتب السعودي ماجد سليمان، وهو واحد من الأدباء المنوعين الذين لم يحصروا أنفسهم في مجال أدبي واحد، حيث اشتغل على الرواية والقصة والمقال والمسرحية.

صدرت مؤخراً عن نادي الجوف الأدبي الثقافي، شمال السعودية، مسرحية “شرق الأرض، غرب البحر” للكتاب السعودي ماجد سليمان (مواليد الرياض 1977)، وتأتي هذه المسرحية بعد اثنى عشر إصداراً أدبياً اشتغل عليها سليمان منذ 2011، تراوحت بين الرواية والقصة القصيرة والشعر ومسرحيات الأطفال والكتابة المقالية، نذكر على سبيل المثال من الرواية “عين حمئة” و”دم يترقرق بين العمائم واللّحى”، و”طيور العتمة”، ومن المسرحيات “قبعة تطير في الريح”، و”وليمة لذئاب شرهة”، والعديد من القصص والمسرحيات.

ويعمل حالياً على كتابة مجموعة (حكايات)، وهي محاولة منه -حسب ما يذكر لـ”العرب”- لإعادة السرد إلى ينابيعه الأصيلة عبر حبكة شهرزاد “أم السرد” وذلك من خلال وضع نسب للحكايات يرتبط ذهنياً براوٍ يسردها عبر توليد مغرٍ.

الكاتب المتنوع

يرى سليمان أن وسيلة واحدة للتعبير لا تكفي، فقد يكون كثيفاً في جنس أدبي معين لكنه متشظٍّ في أجناس أخرى، لهذا ينتقل من منصة إبداعية إلى منصة أخرى.

ماجد سليمان: الكتابة الإبداعية اليوم في زحام مع الصورة والصوت وغيرهما من فنون الحياة
ماجد سليمان: الكتابة الإبداعية اليوم في زحام مع الصورة والصوت وغيرهما من فنون الحياة

يقول “المبدع دائماً في حالة تأهب للطيران إلى سماء جذابة أكثر، وأوسع لمدّ جناحيه في فضائها، الحي هو من يتغير ويتبدل ويتطور، الميت فقط هو الثابت على حاله، الباقي على طريقته وفنه الوحيد، وما أكثر الأحياء الأموات في مشهدنا الثقافي، المبدع الحقيقي مندفع نحو الأفق الأوسع، طالبا الركض في الأرض الأرحب، لا يعجبني المبدع الذي لا يجيد من الكتابة إلا شكلاً واحداً، أليس ذلك مدعاة للملل؟”.

ويضيف سليمان “أنا في الشعر أغني، وفي الرواية أبني عالماً درامياً أفهم من خلاله الحياة، وأصنع في الحوار المسرحي مفاهيم لأفراد المجتمع، أتجرد في المقالة من عواطفي مانحاً العقل مساحته الخاصة، ولو نظرت إلى أهم المبدعين في العالم العربي لرأيتهم متعددي النوافذ الأدبية، منفتحين على أجناس مختلفة ومتعددة. مثلا لا حصرا غازي القصيبي كتب في الشعر والرواية والقصة والمقال والمسرح وغيره، وإبراهيم نصرالله كتب في الشعر والرواية والمقال والسينما وغير ذلك، وجبران خليل جبران كتب في الشعر والرواية والمسرح والقصة والمقال وغير ذلك”.

تدور أحداث مسرحية “شرق الأرض، غرب البحر” خلال عامي 2013 و2015، في منطقة مشتعلة بالحرب في العالم العربي دون إشارة جغرافية محددة، وتشتمل على 13 مشهداً مسرحياً، في فضاءات ثنائية الحرب والحب بين بطلي الكاتب عمير وخاتون، جاعلاً من حالة الخوف حباً، ومن الطمأنينة رعباً، فأبطاله محاصرون بهذه الثنائية بين حياتهم وموتهم، حيث سؤال الدم حاضر وسط ثنائية تحوّل القارئ إلى متفرّج يبحث عن قدرة أحد الطرفين الوجوديين على التساوي في عين المقاتل والخائن والهارب والعاشق، وكأنهما -بحسب وصف أحد أبطاله- عينان في رأس الحياة، غير أنهما ليستا متكافئتين.

يحدّثنا ضيفنا عن مناخات المسرحية قائلا “تدور أحداث المسرحية على خارطتنا العربية، كتبتها تأثراً بالحياة العربية المعاصرة التي تئن تحت أصوات الطائرات الحربية، وطلقات المدافع، وكأي عربي أتمنى أن نبقى نحن العرب بعيدين تماماً عن الحروب، ولكن الأقدار لا حيلة لنا فيها، دفعت بشخصيتي ‘عمير‘ كجندي أبهر السلطة بجنونه العسكري، الذي يخالطه الكثير من الشعور العميق بالذنب جراء ما يفعله بأعداء السلطة، من الثوار وغيرهم، وفي المقابل نجده المحب المفتون بغاليته ‘خاتون‘ التي ما إن يعود إليها من نيران الحرب حتى يستحيل إلى سبعٍ وديع روّضه الحب وألان مشاعره”.

مناخات المسرحية أخذتني للتوقف مع كاتبنا عند مدى إيمان المبدع بقدرة الكتابة على التفوق على الحالات الإبداعية الأكثر حضوراً لدى المتلقين كالسينما مثلاً.

يعلّق سليمان “الكتابة الإبداعية اليوم في زحام مع الصورة والصوت والتشكيل والكاريكاتير وغيرها من فنون الحياة، إلا أن الكتابة تنفرد بأنها تمنحك حرية التخيل التي لا تمنحها بقية الفنون، فلو شاهدت فيلماً عن شخصية تاريخية مثلاً تلك الفنون البصرية ستقدم شكل الشخصية وصوتها وطريقتها بشكل جاهز لا يمنح خيالك فرصة البناء الخاص بك خلاف الكلمة المقروءة، فأنت من خلالها تصنع ملامح الشخصية وتتصور تقلباتها وتتفهم مقاصدها، أي أنني في قراءة عمل أدبي أرى الشخصية بطريقتي بينما في الحالة المقابلة أراها كيف وضعها ورسمها المخرج والسينمائي، وهذا ما يجعل الكتابة الإبداعية في تفوق مستمر”.

13 مشهداً مسرحياً في فضاءات ثنائية الحرب والحب
 13 مشهداً مسرحياً، في فضاءات ثنائية الحرب والحب

المبدع الجاد

عن قراءته الخاصة للمشهد المسرحي المعاصر في السعودية يوضح كاتبنا أنه بعد رؤية 2030 استعادت الفنون عافيتها ومنها المسرح، ويجد نفسه قريباً من المسرح من جهة النص الأدبي فقط.

يقول الكاتب “لست ضليعاً في أمور العرض والملابس والإضاءة، فتلك لها أهلها وصناعها والبارعون فيها، لكني سأخبرك عن النص المسرحي الأدبي، هو في حالة سيئة، فنحن نرى كتابة نصوص خاصة بالعرض، نصوص شعبية (عامية) وأنا لست من أهل هذه الكتابة، وبالكاد نجد نصاً خاصاً بالأدب مثل مسرحيات توفيق الحكيم وممدوح عدوان وغيرهما، أظن أن المسرحيات الجادة لا مكان لها على خشبة المسرح لأسباب لست أعلمها”.

لا يعوّل ضيفنا على مؤتمرات المثقفين السعوديين، فلم تعد هذه المؤتمرات وما حوتها من أحلام وطلبات تعنيه، فقد وصل إلى قناعة أن المبدع الجاد هو رهين بيته، يقرأ ويكتب وينشر أعماله بعيداً عن الملتقيات الثقافية، فالإبداع الحقيقي -بحسب تعبيره- لا يعيش في ظل التكتلات أو الأحزاب مهما كان مسماها: اتحادا، مؤتمرا، ملتقًى… إلخ.

وإثر سؤال عن الأثر الذي سينعكس مستقبلاً على المشهد الثقافي بصورة عامة إزاء تغيرات الخطاب السياسي السيادي في السعودية بعد القرارات والإجراءات الأخيرة التي تصنعها القيادة السعودية، والتي شكّلت مفارقة اجتماعية بين اليوم والأمس القريب، لا سيما في ما يخص موقفها من خطاب الصحوة والتيار الديني المتشدد، يجيب ماجد سليمان مختتما “المشهد الثقافي اليوم مُنح الحلم الذي ظن كل الظن أنه سيموت

دون رؤيته، فالخطابات والتيارات المتشددة أيّا كانت ملامحها نحن اليوم نتعافى من أمراضها التي عانيناها عقوداً. ولم تعد هناك شوائب تربك المشهد الثقافي، بل نحن في مساحة هائلة من الحرية، الحرية المتعقّلة لا المتفلّتة”.

15