الأدب والتاريخ والتراث أساس كل رغبة في التغيير

يطوف الكاتب الفلسطيني زياد جيوسي المدن والقرى الفلسطينية في رحلة توثيقية حاملا عدسته وقلمه ليحضر زاويته الأسبوعية “صباحكم أجمل” متحدّثا عن جمال الأماكن البعيدة، راسما الفارق بين المصور والفنان الفوتوغرافي، حيث يكمن هذا الفارق في أن هذا الأخير يضع روحه في اللقطة، بينما المصور الفوتوغرافي يضع إبداعه التقني في اللقطة، ليكون هو بين العدسة والورقة والقلم الذي صاحبه قبل عدسة التصوير بسنوات طويلة، “العرب” التقته وكان لنا معه هذا الحوار.
الأربعاء 2015/05/06
دور الأديب أقوى وأعمق بكثير من دور السياسي

يضع الكاتب الفلسطيني زياد جيوسي بين يدي القارئ نصوصا تشبه البوح والوجدانيات ولا تقترب من الرواية أو القصة كبنية أدبية، وهو هنا يعترف أنّ ذلك النوع من الأدب لم يكن خيارا ذاتيا، بل أتى نتيجة ظروف انشغاله بالعمل ضمن كوادر منظّمة التحرير الفلسطينية وسفره المعتاد الطويل وملاحقاته الأمنية سواء في فلسطين المحتلة أو في العواصم العربية.

بين السياسة والأدب

زياد جيوسي كاتب فلسطيني ولد عام 1955 في مدينة الزرقاء الأردنية بينما تعود أصوله إلى بلدة جيّوس في قضاء قلقيلية بالضفة الغربية الفلسطينية، تنقّل ضيفنا في العديد من البلدان العربية وأنهى دراسته في الجغرافيا بجامعة بغداد عام 1976.

وخاض العديد من التجارب الاعتقالية وقضى بعض السنوات متخفّيا عن سلطات الاحتلال وأجهزة المخابرات العربية، صدر له كتاب “فضاءات قزح” في عمّان عام 2009، حيث يعتبره الكثير من النقّاد مرجعية في الفنّ والسينما والمسرح الفلسطينيّ، ليتبعه بكتاب “أطياف متمردة” الذي يتضمّن وجدانيات تلخّص رحلة المعاناة الفلسطينية في الشتات والوطن الواقع تحت الاحتلال من خلال نصوص تقترب في لغتها من الشعر وتختلف عنه في البناء.

من رواد المجتمع

يعترف زياد بداية أنّ العمل السياسي لم يترك أثرا على مساره الأدبي إلا من زاوية قدرته على الوصول إلى الوطن المحتل، لذا كان الوطن جزءا لا يتجزأ من أي نص أدبي كتبه، ليعترف بكثير من الأسى بعد عقود طويلة مرّت على الحادثة بأنّ قرارا حزبيّا كان سببا في إعدام الكثير من الأعمال الفنيّة الأدبية منها أو التشكيلية، وذلك لعدم اتفاقها مع مصلحة الفصيل السياسي، زياد يتحدّث بمرارة عن تلك الفترة التي كان فيها ضمن العمل النضالي بين عامي 1968 و1994.

الكاتب صاحب رسالة مقدسة من أجل خدمة شعبه ووطنه وقناعاته، فهو رائد من رواد مجتمعه

ضيفنا لا يؤمن بنظرية الأدب من أجل الأدب، وأن الفن من أجل الفن، فالكاتب عنده صاحب رسالة مقدسة من أجل خدمة شعبه ووطنه وقناعاته، لذا يراه رائدا من روّاد مجتمعه متماهيا مع دوره وإبداعه دون النظر إلى هويّته الوطنيّة، فالأدب كما يراه ضيفنا يستطيع أن يقول ما فشلت فيه السياسة فلسطينيا فالكتّاب والأدباء الفلسطينيون لعبوا دورا كبيرا في التعريف بالقضيّة، بينما على الطرف الآخر فشلت الأطر السياسية، فدور الأديب أقوى عند جيوسي من دور السياسي.

عندما نقرأ الأطياف المتمرّدة لزياد جيوسي تتشكّل صورة اللهاث بحثا عن الوطن والحب على حدّ سواء، وعن هذه الصورة يعترف زياد أنّ كتاباته قائمة على مثلث متساوي الأضلاع يتوزّع بين الوطن والجمال والحب، والعلاقة بين الوطن والأزهار والحب علاقة متكاملة عنده، فمن لا يعرف الجمال وعبق الورود لا يمكن أن يعرف الحب، والحب كما يراه ضيفنا شكل من أشكال وطقوس العبادة وأسمى صوره حب الوطن.

حضور رام الله وعمّان في نصوص جيوسي واضح لكلّ من يتابعه، حيث يعترف أن رام الله التي سكنها بعد عودته الأخيرة عام 1997، وبقي فيها مطاردا، كانت له كحوريّة جميلة بوصفها ملاذا للعاشقين يحملها معه في حقيبته الصغيرة ويعبر بها مطارات العالم لتكون أيقونة الجمال والروح والمكان الأمثل عنده.

زياد جيوسي من أوائل من استخدم الشبكة العنكبوتية عربيا، حيث ساهم في تأسيس اتحاد كتّاب الإنترنت العرب، وذلك يعود لإيمانه بالثورة الرقمية في وسائل الاتصال والنشر ليستعرض مراحل التاريخ التي شهدت تطوّر وسائل الكتابة والاتصال، من أسلوب النقش على الصخور والألواح الطينية مرورا بالكتابة على العظام وجلود الحيوانات، حتى الوصول إلى ورق البردي ومن ثم الورق.

كتاب الأطياف المتمردة وجدانيات تلخّص رحلة المعاناة الفلسطينية في الشتات من خلال نصوص قريبة من الشعر

الشبكة العنكبوتية

حين اخترعت المطبعة التي مثّلت ثورة ورقية هائلة ساهمت في انتشار الثقافة، ليقول إننا اليوم نمرّ إلى مرحلة الثورة الرقمية من خلال الشبكة العنكبوتية، التي أحالت العالم إلى قرية صغيرة بيد متصفحي هذه الشبكة.

انعكس ذلك كما يرى على أسلوب النشر الذي بدأ بالاختلاف عما سبق، فظهرت الصحافة والكتب الإلكترونية، ما فرض التواصل مع آخرين عربيّا لتأسيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب عام 2005، حيث بدأ بمسيرة واثقة ما لبثت أن أصابها البرود نتيجة للأوضاع السياسية التي فرضت نفسها على الواقع العربي.

اهتمامات ضيفنا لا تتوقّف عند الوجدانيات والشبكة العنكبوتية والنقد السينمائي والمسرحي والفني، فهو اليوم كما يعلن لأوّل مرّة يشتغل على قراءات جديدة في خمسين ديوانا شعريا فلسطينيا وعربيا يمازج فيه بين نثر الكاتب وأحاسيسه والإيقاع الشعري تحت اسم “همسات على ضفاف الحلم”، بينما يعتكف على كتابة الجزء الثاني والثالث من أطيافه المتمرّدة تحت اسم ضفاف الياسمين، بينما ستحضر السينما الفلسطينية في قراءات متخصّصة بنقد خمسين فيلما سينمائيا في كتاب مسارات مبللة.

ولأدب الرحلة حضور عند ضيفنا الذي يؤرّخ في سلسلة بوح الأمكنة ذي الأجزاء الثلاثة للأماكن التي عرفها عن قرب في ممازجة بين أدب الرحلات والتاريخ والتراث الذي يراه أساسا لكل تغيير.
15