الأدب والخيال والثورة

الأحد 2015/09/27
تخطيط: ساي سرحان

ليست مجرد صورة فاتنة في القصيدة هي الثورة. ولا لوحة ملهمة على الجدار. ولا هي بالمشهد الأخاذ في فيلم عبقري. وهي في كل الأحوال ليست ذلك الإيقاع الحالم في الأغنية. هي ليست الفكرة وتجلياتها الآسرة في الروايات والقصص القصيرة والنصوص على اختلاف مشاربها. وليست هي التي حولناها مجازا إلى امرأة بعيدة ومشتهاة.

وهي كل هذا وذاك أيضا، ومعا. ولكن الثورة، قبل الفنون وبعدها.. في غورها الإنساني البعيد، هي حاجة وجودية لا بدّ منها ولا مفر. فإذا كان على الكائن البشـري أن ينتقل من طور ألارتهان الأليم لحـزمـة لئيمـة مـن القوانين والشروط، تلـك التي تعتمــدها النظـم الاجتماعية والسياسية المستبـدة وتفرضها، إلى حياة بلا قـوانين وشروط عيش لئيمـة؛ الانتقال -بدقيـق العبـارة- مـن عبودية شاملة ومتعـددة الأشكـال والطـرائق، إلى حـرية متنوعة وغير خاضعة لقيد، فعليه (ذلـك الكـائن الأسيـر) القيام بثـورة تعيده إلى صورته التي وجد بالضـرورة عليها: دون قيـود أو عسس.

هكذا كان الحال دائما مع التجارب التي نقلها التاريخ الشفاهي والمكتوب إلينا: مجموعة بشرية تشرع بالاحتجاج على بؤس أحوالها وما آلت مصائرها المعيشية القاهرة إليه. فيتمّ عبر “النظام” قمعها ومحاولة إسكاتها.. إرجاعها إلى قيودها. حيث تبدأ مــن هنــاك، من رغبـة الانعتـاق: فكرة الثورة. فكرة الحرية التي لا بدّ وأن تتحول، حسب هذا الناموس الحياتي الماكر، إلى مواجهة دموية بين الحاكم والمحكوم.

لم ينقل لنا ذلك التاريخ للأسف، ولا أحداث الحاضر، أمثلة وردية على انتقال سلمي من ظروف حياتية بغيضة، مانعة للحرية وموصدة لأبوابها. إلى أحوال طبيعية ينال فيها المرء حقه الفطري بحياة كريمة تتحول في ظلها الحرية إلى بديهية خارج السجال.

فقد كان العنف ولا يزال هو الآلية اليتيمة المتحكمة بسياقات الانتقال العادل والمنشود ذاك. لا لأن العنف هو القاعدة، بل لأن النظام الذي وهبته الصدف والمقدرات سطوة احتكار الرؤى والأفكار، هو الذي يلجأ، عادة، ومباشرة، إلى استخدام العنف.. وسيلته اليتيمة، لردّ الجموع إلى كهوفها. هو، ذلك النظام المسيطر، من يحيل العنف إلى قاعدة. وهو الذي، هكذا تدلّ التجارب أيضا، من يخسر في نهاية المطاف، وليست الجموع التي يُحارب.

واقعية هي الثورة وضرورية في المطلق، لا لنفسها، ولا للاحتفاء بفوضاها التي تولد، بحكم عنف الأنظمة، وتخلق العذابات على أنواعها. ولا لحضور فكرتها المثيرة والملهمة في القصائد والفنون. بل لأنها في جوهرها العميق، تمس العصب المركزي في حياة الكائن البشري وتحدد أشكال علاقاته اليومية بنفسه ومحيطه وبقدرته على الإنتاج والإبداع.

واقعية هي الثورة، بهذا المعنى، لأنها تخص اليومي والعادي والمرغوب في فكرة البقاء الأصيل برمتها. وضرورية هي لأنها تمنح الكائن فرصة ثمينة للانتقال من طور العيش في ظل ما هو غير مـرغوب فيه ولا عادل، إلى طور جديد ومختلف.. مـرغوب فيه بكل الأحوال وأكثر عدلا على الأغلـب. إنه الأمر الذي يعطي لفكرة الثورة صفاتها الواقعية والضرورية هذه.

وهو الذي يمنحها في نهاية المطاف حضورها المكثف والكثيف في كل صنوف الإبداع التي أوجدتها هذه الروح الإنسانية السابحة في فضاء حريتها البديع.

كاتب من فلسطين مقيم في فيينا

11