الأدب والشيخوخة

خارج سؤال الكتابة، الأكيد أن الإنسان ظل دائما مهووسا بحقبة الشيخوخة كلحظة ضعف وأيضا كعتبة تقود إلى الموت.
السبت 2018/12/15
الشيخوخة ليست دائما حكاية نجاح (لوحة لسعد يكن)

تحضر الشيخوخة كموضوع أساسي ومشترك على مستوى النصوص الأدبية الإنسانية، والتي تشكل مرآتنا التي نطل عبرها على مآلاتنا القريبة والبعيدة.

على صعيد آخر، جرت العادة أن يدخل البعض ممن سيصبحون كتاباً، مجال الكتابة، في مرحلة الشيخوخة، من خلال مذكراتهم، ومنهم الزعماء السياسيون بشكل خاص، وهناك من اخترق قاعدة التراكم والمرور عبر أسلاك العمر ليفاجئ القراء بقوة عمله الأول وهو في سن متقدمة. ولعل تلك كانت حالة الكاتب المغربي إدمون عمران المليح، الذي بدأ الكتابة وهو في الستين من عمره، عبر نصه المدهش “المجرى الثابت”.

هذا أمر استثنائي، فالشيخوخة ليست دائما حكاية نجاح، ولا هي مصدر سعادة لمن بلغها منهكاً من عناء الرحلة.

وصلتني قبل أيام رسالة محزنة من الشاعرة الكندية مونيك جوطو. كنت قد سألتها أمراً يتعلق بالكاتب الكندي ريجون بونونفو. جوطو أخبرتني أن ريجون، الذي عهدته شابا مقبلا على الحياة، قد أثقلته الشيخوخة. ولم تكتف بذلك، بل راحت تسرد أسماء الكتاب الكنديين، من بين أصدقائنا المشتركين، الذين هدهم المرض، بفعل تقدمهم في السن. وسيحزنني أن أعلم أن دونيس شارلون، مدير مجلة آر لوسابور، التي كانت تنشر حواراتي مع شعراء من العالم خلال سنوات، قد أصيب بالزهايمر. أما مونيك جوطو، التي أقفلت السبعين من عمرها، فلا تبدو كعادتها مهووسة بالأمر. ولا يبدو ذلك غريبا، إذ كانت، قبل سنتين فقط، تقرأ الشعر في معرض الدار البيضاء للكتاب وهي تنط كطفلة صغيرة فوق المنصة.

وبخلاف ذلك، كثيرا ما تشيخ نصوص عدد من الكتاب، بمن فيهم الشبان الذين قد يكونون بدأوا للتو مشروع كتابتهم. ويحدث ذلك حينما لا ينتبه الكاتب إلى أن الكتابة تحتاج إلى نفس طويل وإلى جهد أكبر من كتابة نص أول أو حتى من مراكمة الأعمال، التي لا تمتلك بالضرورة الوهج الذي يقتضيه الإبداع.

وخارج سؤال الكتابة، الأكيد أن الإنسان ظل دائما مهووسا بحقبة الشيخوخة كلحظة ضعف وأيضا كعتبة تقود إلى الموت. ولذلك كان عاديا أن يبحث عن كل السبل لتجاوز هذه المرحلة ووهنها، حتى لو اقتضى ذلك تحنيط أجساد الموتى، أملا في حياة أخرى يستعيد فيها الجسد روحه وشبابه.

إنها نفس الفكرة التي تستند إليها، بقليل من الاختلاف، رواية الكاتب الأميركي سكوت فيتزجيراد، “الحالة المحيرة لبنجامين بتن”، والتي تم تحويلها إلى فيلم سينمائي. أما فكرة النص المدهشة فتقوم على تخيل حياة مختلفة للبطل بنجامين، الذي يولد وهو يحمل ملامح عجوز في الثمانينات من عمره. مع السنين، سيستمر نمو بنجامين بشكل عكسي، حيث كان يصغر في اللحظة التي يكبر فيها الجميع، بمن فيهم ابنته، لينتهي ميتا في جسد رضيع بين حضن رفيقة حياته السابقة، وهي على عتبة السبعين من عمرها. إنه التفصيل الذي لا ينتبه إليه الباحثون دون كلل عن إكسير الحياة.

15