الأدب والصحافة

الثلاثاء 2017/06/13

العلاقة بين الكتاب ومهنة الصحافة ملتبسة على مستوى الإبداع. كثيرا ما تجد أصحابها يشتكون من هذه المهنة التي تستهلك طاقتهم الإبداعية وتشكل نزيفا دائما لهم. على الرغم من ذلك أغلب العاملين في هذه المهنة من الشعراء والكتاب.

مهنة الصحافة مهنة يومية تتطلب الكثير من العمل والجهد والمتابعة اليومية. الكتابة الصُّحفية لها لغتها وأساليبها الخاصة. الكتابة الأدبية على أنواعها لها لغتها وطرائق تعبيرها وجمالياتها. الاختلاف في اللغة وأشكال التعبير يخلق نوعا من الفصام عند الصحافي الأديب. آخرون يرون فيه إغناء للتجربة وتوسيعا لآفاقها. العمل الصُّحفي يتطلب الالتزام والعمل الإبداعي يتطلب الحرية والتأمل.

السؤال هو من يستفيد من الآخر، الكاتب والشاعر أم الصحافة؟ إذا كان ذلك غير متحقق لماذا يقبل الكاتب والشاعر على العمل الصُّحفي. السؤال لا يخصنا وحدنا، في الغرب والمجتمعات الأخرى يواجه الكتاب والشعراء نفس السؤال. قد يكون البحث عن الشهرة والانتشار اللذين توفرهما الصحافة سببا لذلك. قبل هذا هناك المسألة المادية وحاجة المبدع لتأمين مستوى حياة مقبول.

كتاب كبار وشعراء مشهورون عملوا في مهنة المتاعب، بعضهم بصفة رسمية، والبعض الآخر من خلال كتابة زوايا يومية أو أسبوعية فيها. نجيب محفوظ وغابرييل غارسيا ماركيز وأرنست همنغواي وغيرهم الكثير عملوا أو كتبوا في الصحافة على مدى سنوات طويلة.

الصحافة استفادت من اهتمام القارئ بالرواية منذ القرن التاسع عشر. الرواية المنشورة في سلاسل كانت الشكل الأمثل لهذه العلاقة. بلزاك وميشيل زيفاكو ودستويفسكي استفادوا من هذه الفرصة في تحقيق انتشار رواياتهم. الحاجة المادية شكلت هاجسا عند الكاتب إضافة إلى الانتشار الواسع للعمل الروائي.

الهدف المادي للكاتب شكل أحيانا عبئا على العمل الروائي فكان يدفع بالكاتب إلى الإطالة والاستطراد بحثا عن زيادة المكافأة المادية. روايات دستويفسكي الشهيرة كالإخوة كارامازوف والأبله وبيت الموتى هي مثال على هذه العلاقة. عشرات الصفحات كان يمكن حذفها لأنها شكلت عبئا على تنامي السرد وتطوره. الكاتب الأميركي هنري ميلر اضطر إلى الإكثار من مشاهد الجنس في أعماله الروائية إرضاء لرغبة الجريدة الباحثة عن الإثارة عند نشرها متسلسلة قبل أن تنشر في كتاب.

على خلاف ذلك رأى كتاب آخرون أن الصحافة، لا سيما التحقيقات، تقدم لهم مادة غنية تقربهم من الواقع وتزيد معرفتهم به. في عالمنا العربي هناك من لم يعمل في الصحافة ولكن استفاد كثيرا من أرشفته لها في أعماله الروائية. الروائي المصري صنع الله إبراهيم هو النموذج الأمثل للروائي المشغول بهذا العمل وتوظيفه في تأثيث عالمه السردي.

كاتب سوري

15