الأدب والمؤثرات الخفية

الاثنين 2016/09/26

كيف يتشكل النص الأدبي في ذهن صاحبه؟ كيف يتمّ تظهيره ودفعه إلى الآخر المتلقي؟ هل تمكن ملاحظة التأثيرات الخفيّة التي تدفعه إلى الواجهة ليتصدّر اهتمام الأديب وينشغل به؟ هل يمكن إدراك الآثار المضمرة في النصوص؟ هل النصوص مكتملة بصيغتها التي تصل إلى المتلقي أم أنها تستكمل رحلة انبثاقها وتبلورها وتظهيرها كصور مكتوبة؟

ربّما يكون من باب التعذر اقتفاء المؤثّرات والآثار الخفيّة التي تدفع الأدباء والفنانين إلى اختيار موضوعاتهم والغوص فيها، وربما التعلق بها بحيث تصبح هواجس لهم، يتعمقون في عوالمها ويبحرون في فضاءاتها محاولين استكشاف الجديد والمفيد والغريب منها، وتكون محاولات الاستكشاف بالنسبة إلى هؤلاء رحلة معكوسة إلى اكتشاف الذات في دائرتها النفسيّة والاجتماعية.

في كتابه “ما لا يُدرك” يدور الأرجنتيني لويس غروس حول فكرة جوهرية، تكمن في أنه لا شيء يدرك بشكل مطلق ولا حتى تلك الأشياء التي ننالها بسخاء في بادئ الأمر ونحتفظ بها لبعض الوقت. وتراه يعتقد أن الباحثين عن الحب كالباحثين عن الذهب بدورهم جحافل، لكن هل يكفي ذلك لإثبات وجود الحب؟ وإذا ما كان موجودا إلى أي مدى تصل سلطته؟ ما هي حدوده؟ ويرى أيضا أن تشيزاري بافيزي وفرانز كافكا وفرناندو بيسوا، حاولوا الإجابة عن هذا السؤال المحوري، وكان ثلاثتهم ضمن حشود الباحثين المجدة تلك، وقد شككوا في وجود الذهب أو تلك السعادة المنشودة، وحاولوا الإجابة عن هذه الأسئلة في أعمالهم وحياتهم بطرق مختلفة.

ربما تأتي إشارة غروس إلى أنه إذا كان الكثير من الناس يستمرّ في الولع بما لا يدرك، في كل مكان، فإن علينا أن نسلم بهذا الأمر الواقع، في صلب العملية الإبداعيّة. يقول ثمة دوما شيء ينقص وشيء آخر يحضر، حتى وإن كان على شكل سراب ليعوض ذلك النقص. هناك في الخلفية، باعث حياة، وموت وعشق وصمود. شيء من كل هذا ينبض، متهدجا لكن بإصرار، في دراسته. ويجد أن هذا الاستكشاف يؤدي إلى أسئلة أخرى تتجاوز الحالات التي أخذت بالاعتبار، منها مثلا: ما الذي كان، أو يمثل هنا “اللامُدرك”؟ أهو المرأة؟ أم الحياة؟ أم العالم؟ أم الحب؟ أم المرغوب؟ أو أشياء أخرى خفيّة؟

لعل من المغري في عالم الأدب والفنّ أنّ المشتهى يظل بمنأى عن القبض عليه وتقييده، ويتشظى بدوره إلى سلسلة لا نهائية، فلا يكاد مبدع يظن أنه عثر على ذاك الذي لا يدرك وقام بتظهيره، حتى يكتشف أنه انسلّ من بين يديه إلى فضاء غير محدود عليه البحث عنه من جديد. وربما هذا من أسرار الجمال والتجديد والتجريب في هذا العالم الساحر.

كاتب من سوريا

15