الأدب وعوالم السجن والحرية

الخميس 2013/12/12

شكّل السجن تجربة قاهرة لكثير من الكتاب الذين ذاقوا مرارته ثمّ كتبوا لاحقا عن عوالمه، لامسه كلّ كاتب بطريقة مختلفة، بحيث ينفتح عالم السجن المعتم على أجواء رحبة من الإبداعات الأدبية، التي شكّلت شهادات إبداعية إنسانية على هول تجارب أنهكت أصحابها لكنها لم تنتزع منهم الجانب الإنساني، كما لم تنتزع الأمل في غد أفضل. ولا يخفى أن السجن غدا عند كثير من السجناء السابقين قيدا مستقبليا، بحيث يقف حائلا بين السجين وعالم حريته، يمنعه من ارتياد آفاق الحرية والتنعم بأنوارها.

حينذاك تغدو الحرية نفسها سجنا، لكن هذه الحالة تتبدد من قبل الكتاب بالإفصاح عنها والتحلي بقوة المكاشفة. كما لا يخفى أن الأدب يغدو وسيلة مصالحة بين الأديب السجين وعالم الحريّة أيضا.

تتناسب التجربة المريرة عكسا مع جمالية المنتج الأدبيّ الذي تشكل جذوته المستعرة، إذ تبقي السجين السابق رهين السجن النفسي اللاحق، بحيث لا تتعدّى حريته المعيشة عربة يتشارك فيها مع آخرين، تماما كما كان يتشارك عذاباته وآماله في ظلام السجن مع آخرين. رحابة العالم الخارجي لا تسعف السجين في التمرّغ بها والاستزادة من الحرية التي يعيشها، بل تراه يعاود الرجوع إلى سجنه، يتخذه مرتكزا يسعى إلى الاستشفاء منه دون جدوى، لأنه يبقى وشما في الذاكرة عصيا على المحو والاستبدال.

ابتعد بعض الكتّاب عن الكتابة بطريقة انتقامية، بل كتب بشفافية عن قسوة السجن، أراد أن يسلط الضوء على عالم السجن المُوحِش، وأن يتوغّل في دواخل السجانين والمسجونين سواء بسواء، ليسبرها ويفردها للقارئ ولنفسه.

من أولئك مثلا الروائي الأورغوايانيّ كارلوس ليسكانو الذي كتب عن سجنه السياسي في بلده إبان الحكم الديكتاتوري في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، فجاءت روايته «عربة المجانين» التي يقول فيها إنه في بعض الأمسيات بينما كان يروي حكايات طريفة عن السجناء، وقد ظل يرفض الكتابة عن السجن، شعر أنه غير قادر على أن يروي شيئا سوى سلسلة لا متناهية من التنكيد المجرّد من المحتوى الأدبيّ، لكنه يستجيب لنداء داخلي بالكتابة والبوح، ليملي عليه ما يكتبه، سينتزع من النسيان وقائع ومشاعر وأحاسيس لم يكن يتذكرها.

سيكون تائها في ممارسة الحرية، تماما كما كان يوم خروجه في مواجهة ممارسة حرّيته، حين كان في عربة المجانين. سيظل يبحث عنها ويمارسها في ذاته. وسيعتقد أنه يجدها كلّ مرة ليشعر بأنه قد فقدها. فتكون دورات متتالية من الفقد المبرح. تكون الكتابة فعل حياة، فعل وجود، فعل حرية مطلقة. تكون فكرة الكتابة فكرة ممارسة الحرية التي تظل بعيدة عن التعريف لديه.

يؤكد الكتّاب الذين كتبوا عن السجن، أن الكتابة تداوي بعض الجراح وتخفف الأوجاع، وتريح الكاتب، وأنه بقدر ما يكون نشدان الحرية حلما بعيدا يراود السجناء، فإن عيش الحرية والتمتع بها، يكاد يكون أشدّ قسوة على الكثيرين منهم بعد الحصول عليها، ذلك لأن السجن يقيدهم بعوالمه؛ فيُفجع المسجون حين يكتشف أنه كان يعيش الحرية في سجنه، ويعاني مرارة السجن خارجه، لأنه من شأن قلب الموازين، وتغير الظروف أن تبقيه غريبا عن واقعه، متآلفا مع سجن استلب منه حياته وحريته ومستقبله، مغتربا عن حلمه المنشود الذي كان ينير حلكة سجنه، ويمنح معنى لبقائه، ويجمل له الانتظار، يتخلل السجن المهروب منه أيامه ولياليه، يعشش فيه، ممّا يؤدّي به إلى أن يشعر بعبء حريته بعيدا عن جبروت السجن القاهر.

____________

* رواﺋﻲ ﻣﻦ ﺳﻮرﻳﺎ ﻣﻘﻴﻢ ﻓﻲ إﺳﻄﻨﺒﻮل

14