الأدب ولعبة التحولات الدائمة

الاثنين 2014/01/27

الخصوصية الإبداعية السورية، تتكثف وتتجلى بتحدّي المهمش ذي الرؤية النقدية الشاملة، الذي أخذ منه المبادرة وحدّد وجهة الزمان والمكان ومع هذه الوجهة تمضي الحكايات العربية.

منذ فترة وجيزة، قرأت تعليقا لإحدى الكاتبات السوريات على صفحتها الفيسبوكية، ما مفاده أن الأجدى بنا أن نتابع برامج مسلية، ترفيهية، على أن نتابع أخبار قتل السوريين لبعضهم بعضا.

لم يثر دهشتي ما قرأته بقدر ما راعني ما اكتنف النص من حالة اللاموقف وتساءلت في سرّي: إلى أيّ مدى يمكن أن يكون المبدع حياديا وسلبيا حيال ثورة شعبه؟ وما الذي يمكن أن يعالجه في أعماله الأدبية وأيّ منظور وخطاب روائيين سوف يسم النص؟ وهل يمكن أن تنعزل تيمات النص الإبداعي عن الواقع المتغير؟ هل يريد البعض لنا أن ننكص إلى أمجاد نظرية الفن للفن التي كانت، لزمن خلا مثار جدل واسع في أوساط النخب المثقفة؟ تلك تساؤلات راودتني.

ولا يخفى على أحد أن الانتفاضات العربية، ولا سيما السورية، أفرزت تمايزها، وفرادتها وخصوصياتها، ولا تشكل خصوصية، الانتفاضة السورية كمثال، تحديا فكريا فحسب، وإنما تشكل أيضا تحدّيا إبداعيّا، وأحد أهمّ هذه التحديات التي لا بدّ أن تواجه المبدع اليوم، هو تحدّي المهمش وقراءته للواقع، وما كان من عملية استبداد ثقافي شاملة عملت على تجاوز المسعى/المدني المديني/الذي عبرت عنه الطبقة الوسطى الحامل الاجتماعي للتغيير والحداثة والنهضة. بيد أن سحب مبادرة التغيير من هذه الطبقة جاء هذه المرة من هوامشها النقدية، وقد عرّت هذه الهوامش شكلانية البعض وزيفهم وتعاليهم ودللت على وعي استثنائي، مدني، ثوري خصوصا مع بدايات الثورة، وعي وجدنا بعض انعكاساته، مثلا، تكثف في شعارات، كفرنبل وسراقب في الشمال السوري.

في نظري أن تحديات التغيير العاصف الذي حملته الانتفاضة السورية على الاستبداد، يتطلب مبدعا، ليس بعابر أو طارىء على الثورة، يكتب من قلب المسألة، من مواقع التهميش والمهمشين عبر عقود، ومن قلب مأساتهم، أوجاعهم، آمالهم، آلامهم، وتشردّهم عن المكان ورحيلهم عنه. مبدع، استطاع أن يتمرّد على بلادة اللغة الإنشائية الباهتة، التي تفتقد للمعنى وتضيع فيها وجوه الناس.

لم يواكب الإبداع السوري بعد ثورتَه العبقرية، العنيدة والمستحيلة، كما هو منتظر منه، قلة هي الأعمال التي عبرت بطريقة جمالية أو أخرى، عن تلك الانتفاضة العارمة التي قام بها السوريون. ولو اقتصرت على السرد والرواية، فباسثناء بعض الأعمال كـ”تقاطع نيران” للروائية سمر يزبك وهو عبارة عن يوميات دونتها الكاتبة في مرحلة من وجودها في سوريا، و”طبول الحب” للروائية مها حسن، و”أيام في بابا عمرو” و”عائد من حلب” لعبدالله مكسور، فإن الثورة السورية، لا تزال حكاية لم ترو بعد، ولا عجب في ذلك فهي أشبه ما تكون برواية مركبة، معقدة البنيان، تتداخل أصواتها، تتناقض خطاباتها، وتتجاور أمكنتها، نهايتها مفتوحة على الممكن والمستحيل معا، تحكمها ثنائيات متضادة، متنافرة ويتناوب على سردها أكثر من راوٍ، وكل منهم يسرد وفق منظوره ورؤيته.

تتشابك الخيوط وتتعقد ويمضي بالحكاية أبطال فاعلون، تتعارض أشكال تعبيرهم، للبطل الهامشي الإيجابي، تيمات ومفردات تبتعد عن السلبي، الثورة، هي لعبة التحولات الدائمة لأنها أطلقت سراح الحيز العام بكل تناقضاته ووجوهه المتعددة ومستوياته المتفاوتة، ولن يرتقي إلى مستوى تدوين الثورة إبداعيا إلا راوٍ خبيرٌ، لا يجيد حرفة القص والسرد فحسب، بل ويجيد مهنة الحفر العميق في بنية المجتمع- السلطة، أشكال الوعي والمصائر، حينها تمكن البرهنة على أن الرواية ليست مكانا للبوح الذاتي وللتهويمات والإنشاء الجميل، أو لمعالجة قضايا وجودية منفصلة عن واقعها وشرطها التاريخي، إذ، لطالما، كانت الرواية رفيقة درب الواقع وتحولاته، وإلى أيامنا هذه، ما زلنا نطالع عن أوجاع الحرب الأهلية اللبنانية في النص الإبداعي اللبناني، وكذلك القضية الفلسطينية ومركزية وجودها في النص الفلسطيني، وليس عبثا أن وجد المفكرون والفلاسفة في الرواية مرجعا للتدقيق في مرحلة تاريخية محددة.

أخيرا، أرى أن الخصوصية الإبداعية السورية، تتكثف وتتجلى بتحدّي المهمش ذي الرؤية النقدية الشاملة وثورته الاجتماعية وتحوّلاته واقتحامه للمتن، الذي أخذ منه المبادرة وحدّد وجهة الزمان والمكان ومع هذه الوجهة تمضي الحكايات العربية، وأخصّ هنا الحكاية السورية، ونحن نترقب وننتظر إبداعا يليق بالثورة وبشعبها الشجاع، ننتظر أدبا جديدا يليق بزمن جديد.

كاتبة من سوريا

14