الأدب ومعالجة الاختلالات

الاثنين 2015/05/25

هل من المبالغة القول بأنّ الأدب يقوم بدور علاجي لحالات عصيبة قاهرة، أو لأمراض نفسية مستعصية، أو تراه يبدّد إلى حدّ ما الكآبة ويشجّع المرء على الانطلاق من جديد بعد نكسات مؤلمة أو خيبات مريرة.

يكتسب الأدب قوّته من قدرته على ملامسة مختلف جوانب الحياة، وتصويرها، وإعادة تقديمها بحلل جديدة، عبر معالجات تروم البحث عن سبل مناسبة لعرض الإشكالات، في مسعى لتلافيها، أو التخفيف من حدّتها وتأثيرها. ولا يكون ذلك بطريقة المباشرة والتوجيه والفرض، بل يكون من خلال صياغات تؤسّس للدور المأمول.

ينهض الأدب بدور مرمم للعلاقات الأسرية والاجتماعية بشكل لا يقل تأثيرا عن ترميمه لدواخل الكتاب أو القراء أنفسهم، بحيث يغدو وسيلة استشفاء معتبرة، وسبيلا للتداوي لا يقل مفعولا عن أيّ تداوٍ آخر. ويختلف التأثير من مجتمع لآخر، لكن يكون الإجماع على دور الأدب التنويري والإشارة إلى مكامن الخطإ بغية التمهيد لمعالجته، ذلك أن تشخيص الأدواء يعدّ قطعا لنصف المسافة نحو معالجتها في العادة.

يقوم الأدباء بتشريح بنيات مجتمعاتهم للوقوف على مراكز الاعتلال والاختلال الجلية فيها، ثم استعراضها واستنفار القوى لتلافيها أو التخفيف من وطأتها رويدا رويدا، ولا يكون التعاطي بشكل مباشر صادم، بل يكون عبر النبش والتحليل والتنويه والتحذير، بحيث تثار الحاجة الماسّة للتحرك لوضع حدود لما يجري بحقّ الأفراد والمجتمعات.

لعله لا يكون من المبالغة إن قلنا إنه لا تكاد تخلو رواية من دور اجتماعي تنويري، بصيغة ما تختلف من واحدة لأخرى وبحسب طبيعة المجتمع المعالَج. وقد تطرق عدد من الكتاب لمسائل في غاية الأهمية، سعوا من خلالها لوضع حدّ لما يجري من ممارسات بحق مؤسسة الأسرة من قبل أبناء الأسرة نفسها أو من قبل المحيطين بها.

يظهر الأدباء الذين يطرحون الإشكاليات الأسرية والاجتماعية بالموازاة مع ما يعترك في دواخل الأفراد، أن الأسرة التي هي عماد أي مجتمع تنسف ذاتها حين تبتعد عن الحوار والتكاتف، وذلك من خلال زرع بذور الشقاق في ما بين أبنائها، كأن يتهرب الأب إلى المجهول من واجباته، أو تداري الأم ممارسات ابنها وتتكتم على تصرفات أبنائها وبناتها، وهكذا تتداعى الأسرة بالتقادم حتّى تنهار، ليحضر التوصيف إنذارا على الحالة المرتبكة الحرجة وضرورة إيجاد حلول ومقترحات لتدارك ما يمكن تداركه. ولا يتوقف دور الأدب عند التوصيف بل يطرح الحلول والمعالجات من خلال الإشارة إلى المصائر والتحذير من تكرارها في الواقع بطريقة ما.

15