الأدب ينقذ الإنسان العربي من الخوف والريبة

لا يمكن للشاعر إلاّ أن يكون ابن قلقه وسليل أسئلته التي تشكّل فضاءات اشتغالاته ومكامن معرفته بالحياة، ومدى قدرته على إعادة خلقها وفق ما يراه. الشاعر العماني خميس قلم وهو واحد من الشعراء المتفردين بتجربة عميقة استطاعت أن تتجاوز الجغرافيا العمانية لتصل إلى القارئ العربي، فهو لا يكتب فقط وإنما يثور من خلال الكتابة. “العرب” توقفت معه في حوار حول تجربته الأخيرة وحول البعض من القضايا الثقافية الأخرى.
الجمعة 2017/12/01
أردت أن أكون للإنسان وأن يكون الإنسان لي

أصدر الشاعر العماني خميس قلم مؤخرا عن دار عرب للنشر والترجمة في لندن مجموعته الشعرية “سأترك الباب مفتوحا”. وتأتي هذه المجموعة بعد عدة اشتغالات إبداعية تنوعت بين الشعر والنثر، نذكر منها “مازال تسكنه الخيام” و”طفولة حامضة” و”شجرة النار” و”كرنفال الكتابة”. وسوف يصدر هذا العام كتاب له في النقد “التقاطات جمالية” وكتاب في “الرواية التاريخية العمانية” و”نصوص شقيقة”.

كسر الحدود

جاءت تجربة خميس قلم في مجموعته الأخيرة “سأترك الباب مفتوحا” ضمن فضاءات عصيّة على التصنيف؛ فهي تدور في فلك الشعر والقصة والومضة والحكاية. لتترك المتلقي يمارس وظيفته في تصنيفها دون وصاية منه. وهذا ما جعله يخلق من دلالة الباب المفتوح عتبة لتأويل نصه. يقول قلم “لذلك تركت الباب مفتوحا، حيث يجد الوالج في دهاليز الكتاب تنويعات بين الشعر والسرد من شأنها أن تردّ على صراعات الأجناس ليس الكتابية فقط بل البشرية (والبشر جنس واحد) مؤاخيةً بينها في عالم الكتاب”.

ويضيف “تجربة ‘سأترك الباب مفتوحا’ هي امتدادٌ مهذّب لـ’كرنفال الكتابة’ الذي احتشدت فيه أجناسٌ أدبية شتى كالقصة والشعر والنص المفتوح والرسالة وأدب الرحلة وحتى الطرفة لترسل ذات الرسالة: إن التعايش ممكن مهما اختلفت أجناسنا (ونحن جنس واحد).الأجناس أو الأصناف أو الأنواع الأدبية تجليات للإبداع الإنساني في حقل الكتابة غير أن النظرة الحادّة المقارنة والمفاضلة بينها حدّ الصراع لا تعكس سوى طبيعة أولئك البشر الجادّين في التمييز والاصطفاء والتعنصر، من أجل ذلك أردتُ أن يكون ‘كرنفال الكتابة‘ و‘سأترك الباب مفتوحا‘ وطنين يتآلف فيهما ما يُظن أنه مختلف. قضت الطبيعة على الكائن البشري، بفعل الجغرافيا والمناخ والزمن، أن يكون متمايزاً ومتبايناً في لونه ولغته وثقافته، غير أن معدن النفس البشرية واحد ومشتركها الانفعالي متشابه وكذلك الكتابة في جوهرها”.

ترصد مجموعة “سأترك الباب مفتوحا” حالة الإنسان الخائف والمرتاب والمتوحش والغريب في أفق سوداوي معتم لا يفضي إلى أمل قريب، لتفتح بذلك الأسئلة ناحية العالم كله وفق تقسيم نصوصي مكوّن من ثلاث مناطق “هي – هو – نحن”، ليستحضر من خلال كل ذلك الآخر المتمثّل في الأنثى، والآخر المتمثل في الرجل، والآخرين المتمثلين في الأنا الجماعية الكاشفة عن تفاصيل كل ما نراه أو نحسّه أو نشعر به. لهذا حملت النصوص في المجموعة ثقلا رمزيا سياسيا وإنسانيا حيال الخوف واللامعنى. وكأن خميس يعاتب الكون كله.

الأجناس أو الأصناف الأدبية تجليات للإبداع الإنساني والنظرة الحادة المقارنة والمفاضلة بينها حد الصراع نظرة عنصرية

ويتساءل ضيفنا ضمن هذا السياق “كيف لا يعيش الإنسان العربي غير خائف ولا مرتاب؟ وهو ينظر إلى النظم الموكّلة بمصالح الناس تنهب الناس، لقد أفلست أنظمة الغبار وأسقطت عن عورتها ثوب الحياء، وليس لديها ما تقامر به سوى جهل الناس وخوفهم؛ فالمشهد إذن كما أراه ليس قاتماً فحسب إنما يحتاج إلى كلمة أكثر سوداوية لتعبر عن ما أراه شاخصا: الحلكة، العتمة، الدموية. وعلى ذلك قسّمت الكتاب إلى أقسامٍ ثلاث ‘هي وهو ونحن’، وأردتُ فيها أن أذهب عميقاً مني إلى حال الإنسان وأحاسيسه وتساؤلاته الكونية الماورائية وقضاياه اليومية. أردت أن أكون للإنسان وأن يكون الإنسان لي. فإن عطبنا يزداد يوما عن يوم، ولعلّ في الكتابة تطهيراً وإنذاراً وتبشيراً”.

الإبداع حر

ضيفنا أحد الأعضاء البارزين في الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، هذه الجمعية التي عاشت صراعات طويلة على مدى العشر سنوات الماضية محاولةً جعل نفسها في منطقة تبعد المسافة نفسها عن جميع الأطراف: السلطة، الكاتب، الوطن. ويرى خميس أن “الجمعية العمانية للكتاب والأدباء جمعية مدنية/ أهلية تنشأ من المجتمع بعيداً عن حيثيات المؤسسة الرسمية، لكن هذه الأخاديع لا تنطلي على مجتمعات غير ديمقراطية حيث تسيطر أقلية من الناس على الثروة باسم الحكومة فتضع يدها على كلّ صغيرة وكبيرة، إذن لا يوجد ما يسمى بجمعية أهلية خصوصاً بعد تمويل الحكومة مباشرةً لها، لقد تم شراء الجمعية العمانية للكتاب والأدباء وها هم السماسرة يتاجرون بالأدب والثقافة علانية، يتنقلون من عاصمة إلى أخرى على حساب الثقافة ويؤجرون بيوتهم للجمعية على حساب الأدب”.

احتشاد أجناس أدبية شتى

ويضيف في ذات الموضوع “كلّ تجمع يفترض به أن يتواءم مع عناصره، فجمعية الكتّاب للكتّاب وهي منوطة بقضاياهم واحتياجاتهم بما يخدم الوطن وليس السلطة، ولن تجد الجمعية نشيطة كما وقت الانتخابات حيث تحتشد أسماء ليس لها أي بريق في سماء الكتابة لتسرق بأصواتها المشهد الثقافي وتخنق الأمل في مستقبل نظيف”.

وعن سؤال يأتي في سياق الحديث عن الجمعية وعن مدى حرصها على أن تكون مظلة للمثقفين، كأن تقف معهم في أزماتهم، وعدم النأي عنهم بتحييد السياسي عن الثقافي.

يجيب ضيفنا “للإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج سوى لتقصّي مناشط الجمعية دون أن تنخدع بما تحاول ذرّه على العيون وستكتشف أنّ المظّلة لا تظلل سوى فئة من ذوي ‘المصرّات’/ عمائم الرأس المصففة بعناية فائقة. في الواقع أنا لا أتحدث تخصيصا عن مجلس إدارة بعينه لكني أحاول أن أقيّم التجربة إجمالاُ. وأعلم علم اليقين أني بخست إنجازات قامت بها إدارات سالفة لكن الأمور بخواتيمها، والجمعية ليست ملكاً للإدارة بل للأعضاء وصمتهم بل مباركتهم ما هي إلاّ ضوء أخضر لتمرير سياسات التحكم بالهياكل المدنية. مراراً قلت إن الجمعية منبر للكتّاب وعلينا أن نقف معاً عليه”.

وعن تجربته في تحكيم البعض من المسابقات الشعرية في الملتقيات الأدبية والإبداعات الشبابية ومسابقة جائزة الإنجاز الثقافي يحدثنا شاعرنا بأن “تحكيم المسابقات الشعرية في الملتقيات الأدبية والإبداعات الشبابية فرصة لمتابعة التجارب الشعرية الشبابية والاقتراب منها، وميزة هذه المسابقات أنها تؤلف بين شعراء وشاعرات من اتجاهات مختلفة ومناطق شتى، فالتعارف معهم يتجاوز التفاعل مع النص الشعري إلى التفاعل الاجتماعي والفكري. وقد اكتسبت بفضل هذه الملتقيات والمسابقات معارف رأيت بفضلها جوانب ثقافية ما كنت لأطلع عليها لولا تعارفي بهم”.

ويضيف خميس قلم “في ما يخص جائزة الإنجاز الثقافي فرغم كونها جائزة رمزية إلاّ أنّ أهميتها بالنسبة إليّ أضعاف المسابقات الرسمية، وانتخاب القائمين بالجائزة لي لأكون حكمًا في دورتها السابقة هو شهادة ثقة أعتز بها أكثر من أي وسام رسمي رفيع المستوى؛ فهذه الجائزة الرمزية هي خالصة لأجل الإبداع الحرّ”.

15