الأدوار النسائية ملأت الشاشات بصور سلبية عن المرأة العربية

تكتظ الشاشات العربية في مثل هذه الأوقات بوفرة المسلسلات التي تقدم وقائع وقصصا تشكل المرأة محورا أساسيا فيها، بل إنها عنصر جذب أساسي للجمهور العريض من خلال استقطاب أكثر الممثلات شعبية وجاذبية ومهارة أيضا من أجل اجتذاب شريحة كبيرة من جمهور المشاهدين في ظل تنافس محموم بين المسلسلات ومنتجيها ومخرجيها وطواقمها والشاشات التي تعرضها.
الأحد 2015/07/12
الدراما التلفزيونية تقدم بانوراما من المواضيع تبقى فيها شخصية المرأة موضع جدل

من هنا وجدنا أن ثمة إشكاليات مشتركة ظلت تقرب تلك الدراما التي محورها الأساسي شخصية المرأة، حتى أن صانعي هذه الدراما علاوة على استخدام شخصية المرأة لاجتذاب جمهور عريض نجدهم يلجأون إلى اتخاذها محورا أساسيا للأحداث، ولكن وفي الوقت نفسه لم تخل قصصهن من انتهاكات وصور تراجيدية لحياتهن ونظرة المجتمع لهن وصولا إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه ألا وهو العنف الجسدي وهو ما يمكن تلمسه بكثرة في العديد من المسلسلات المعروض الآن على الشاشات.

قصص أغلبها ذات طابع اجتماعي وهو ما تجمع عليه العديد من الدراسات المسحية في هذا المجال إلى درجة تصل تلك الأعمال الاجتماعية إلى ما يزيد عن 80 بالمئة من الأعمال المعروضة على الشاشات. في المقابل تطغى القصص الواقعية على كل ما عداها من القصص الأخرى وتجدها تتراوح ما بين شخصية المرأة المنتمية إلى الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة والفلاحية والمعدمة.

هذه العينات المنتقاة من هذه البيئات لن تتعدى أدوارهن في الأعم الأغلب أن يكنّ ظلاّ للرّجل بأي شكل من الأشكال، المرأة في هذه الدراما ليست فاعلة غالبا بل مفعول بها بمعنى أن مساحة الفعل والتأثير لا تكتسب غالبا وضعا طبيعيا إذ سرعان ما يتم تصويرها في صورة المستبدة الصارمة وحتى الأنانية عندما تكون ذات شخصية مستقلة وإلا فلتبق في قوقعتها لا تلوي على شيء وتتلقى ما يفعله الرّجل وما يريده.

ما بين قوة الشخصية المتحررة والطموحة وبين المستلبة والهامشية تتجلى الدراما التلفزيونية العربية في مقاربتها للمرأة ولكن إلى أي حد وما هي حدود هذا التجلي؟

نساء مطلقات باحثات عن الحرية

واقعيا نجد أن الدراما التي نشاهدها اليوم قدمت غالبا نساء في مهن تتراوح ما بين ربة البيت، الطالبة، الموظفة، الصحافية، السكرتيرة، الفلاحة، مدبرة المنزل، وتلك هي السمة الغالبة وهو ما ينطبق على مسلسل “مطلقات” إذ تراوحت شخصياته بين هذه المهن ولكن وفي الوقت نفسه يفجر المسلسل على قدر المستطاع قضية النساء المطلقات وهن يعشن أوضاع اجتماعية تتميز بالريبة في النظرة للمرأة المطلقة. المسلسل المعروض حديثا من تأليف أحمد صبحي وإخراج محمد الرشيدي وتمثيل باقة من الممثلات منهن علا غانم ومي كساب ومي سليم وميريهان حسن وغيرهن، يقدم نساء يواجهن قدرهن في أوضاع اجتماعية مبعثرة، لكن في المقابل لن يتحول الرجل إلى عقدة تبعث على الكراهية ولا تتوقف عجلة الحياة إذ يستمر اكتشاف تجارب جديدة من طرف أولئك النسوة المطلقات لكن وبعد ثلاثين حلقة من التحولات والصراعات والتجارب ماذا سينتظر المشاهد غير النهايات السعيدة للشخصيات؟ وهنا لن يتوان القائمون على العمل عن تحقيق تلك الأمنية، الكل ستحل عقدهن ويتزوجن ويعشن حياة سعيدة.

المرأة الضحية، ضحية الظروف وأحيانا الاستلاب ربما تخرج من الإطار الواقعي في مسلسل "طريقي" حيث تبدو المقاربة مختلفة وصورة المرأة المأزومة تكتسب بعدا آخر

إشكالية المرأة المطلقة هي مثال ونموذج في مجتمعات يكون الطلاق أمرا عاديا وخيرا من الشقاء في علاقة زوجية فاشلة، بينما في المجتمعات الشرقية سيضع المرأة التي تكون أحيانا لا ناقة لها ولا جمل في تجربتها الفاشلة غالبا في موضع الريبة وهو ما يلامسه المسلسل دون أن يحقق كثيرا من العمق في قراءة الإشكالية ولا أن يفجر الأزمات بطريقة أعمق.

في المقابل سنجد نوعا غرائبيا فريدا من صورة المرأة على الشاشة، في إطار مقاربة ومعالجة مختلفتين كليا، المرأة القائدة والشرسة وصاحبة القرار، المرأة التي تأمر الرجال وتطيح بهم، والمرأة التي تمتلك قوة خارقة، والمرأة التي تمتلك الحكمة والدهاء كل ذلك وأكثر يحتشد في مسلسل “العهد” الذي يعرض الآن على الشاشات ويلفت النظر إليه ويخلف كثيرا من الجدل والنقاش حول الشكل والمعالجة والموضوع والشخصيات.

ينسج المسلسل موضوعه على ثلاث بيئات متجاورة هي ما يعرف بالكفور أو القرى أحدها هو ما يعرف بكفر النسوان وهي قرية تديرها امرأة واحدة هي ريا (الممثلة صبا مبارك) حراسها من النساء تحلن دون دخول أي رجل إليها. وهناك تبنى يوتوبيا قائمة على غرائبية تتعلق بعهد مفقود الكل يبحث عنه لأنه سيحدد من الذي يحكم ومن الذي يسود وخلال ذلك تقود ريا صراعا ظاهرا وخفيا مع نساء أخريات في الكفور أو القرى المجاورة، هناك مثلا سوسن -الممثلة كندة علوش- قائدة الشرطة أو من يعرفون بالحشاشين وهي الأخرى تدير دسائس تفضي إلى استحواذها على حكم أكبر القرى باتجاه الزحف إلى القرى الأخرى وأما الجانب الأكثر غرائبية فهو الذي تقدمه استمنوها -الممثلة سلوى خطاب- التي تخبر مسبقا عما سيقع لسكان القرى من كوارث وصراعات ومتى سيظهر شخص من قبيلة الذيابة ليقود القرى وحتى وبعد أن تقتل فإن روحها تطوف القرى وبمستطاعها الظهور أمام من تشاء.

يكتظ المسلسل بحشد من النساء والمرأة هنا ليست تابعة ولا ظلاّ، هو مسلسل استثنائي حقا في إبراز دور المرأة التي تمسك زمام الأمور وتتحدى وهي تختار شريك حياتها لا ترتضي دونه ذلا لكن ذلك كله سيقع تلبية للصراعات بين المتنافسين على قيادة القرى وفي إطار الاستحواذ والسيطرة.

مسلسل "مطلقات" يقدم نساء يواجهن قدرهن في أوضاع اجتماعية مبعثرة

المسلسل من تأليف محمد أمين راضي وإخراج خالد مرعي وما زال يحتدم الجدل حوله لجهة التباس وغرائبية الأحداث.

صورة الخارجات على القانون

وتقدم الدراما التلفزيونية في المقابل نمطا آخر لاحتشاد النسوة على صعيد واحد وحيث تخاض الصراعات وتتكشف المجاهيل الاجتماعية وذلك من خلال مسلسل سجن النساء، المأخوذ عن رواية للكاتبة الكبيرة فتحية العسال ومن إخراج كاملة أبوذكري، وبهذا يكتمل كون العمل كله نسائي تقريبا.

في هذا المسلسل هنالك عرض بانورامي لكم غير قليل من عينات النساء وما يواجههن في الحقبة قبيل ثورة يناير وصولا إليها، نساء محطمات لكل واحدة منهن قصة مختلفة، وهن مقسمات جماعات بسحب الجرائم التي ارتكبنها وألقت بهن خلف القضبان، الآداب، المخدرات، الأموال العامة، القتل وغيرها.. وهنا تغوص كاميرا أبوذكري في قرارة ذلك العالم حيث تقدم دراما مكتظة بالضحايا والمغرر بهن وكذلك بالمحترفات، ومع مساحة الإجرام تجد مساحة للطيبة والإنسانة التي تفيض في علاقات الشخصيات فيما بينها.

يقدم المسلسل صورة سجانة أكثر رحمة من قسوة الأيام على الضحايا، لكن في المقابل يقدم المسلسل صورة سجانة من نوع فريد ألا وهي غالية -الممثلة القديرة نيللي كريم- فهذه الفتاة توقعها طيبة قلبها في مطبات متتالية، حبها المخلص لشاب متهور وطماع تدفعها لتلبية متطلباته وصولا إلى خيانته لها وزواجه من أخرى ثم قيامه بقتل والد زوجته بطريقة مقصودة أو غير مقصودة ليلقى بالسجانة نفسها وراء القضبان ولتنظم إلى من كانت بالأمس تدير شؤونهن وتأمرهن من السجينات.

صورة المرأة الضحية

المرأة الضحية، ضحية الظروف وأحيانا الاستلاب ربما تخرج من الإطار الواقعي في مسلسل “طريقي” من تأليف تامر حبيب وإخراج محمد شاكر خضير، هنا المقاربة تبدو مختلفة وصورة المرأة المأزومة تكتسب بعدا آخر فهي شابة تحلم أن تصبح مغنية لحلاوة صوتها وهي المطربة المعروفة شيرين في دور دليلة، وهي فتاة لا تخضع لسيطرة بطريركية كما هو معتاد في صورة أب أو أخ مستبد متسلط يحول بينها وبين تحقيق حلمها في الغناء بل إن آلام تلك المرأة هي المستبدة والأب والأخ هما المتسامحين الطيبين إلى أن تلقي آلام بابنتها في مدرسة مغلقة تديرها الراهبات لكي لا تلتقي أحدا ولا تكلم أحدا ولا تقترب من الغناء.

شخصية المرأة القوية والمثقفة والمتوازنة تكاد تكون نادرة الظهور في الاعمال الدرامية الرمضانية
بالطبع يبدع المسلسل في استخدام رومانسية حقبة الستينات والسبعينات في الزي والأماكن والديكور والسيارات ليقدم امرأة مشرقة ومتطلعة لكن الاستبداد الرجولي سيظهر من خلال الزوج الذي يستغل مهنة المحاماة لتحقيق مجده الشخصي ولو على حساب العدل وحياة الآخرين، ها هو يمسك سوطا يجلد به ابنته الوحيدة جلدا مبرحا بسبب ارتباطها بعلاقة عاطفية مع شاب طائش تفضي إلى إجهاض جنين غير شرعي، وها هو يصفع زوجته صفعة تسقطها على الأرض من شدتها وها هو المراوغ اللعوب الذي يقبل لنفسه علاقات غرامية جانبية ولكنه يأبى مجرد أن يكلم أحدا زوجته.

المرأة هنا ممثلة في الأم المستبدة التي ينتهي بها المطاف وحيدة منزوية، في مقابل الصديقات الشابات اللائي هن أيضا لا يكن موفقات في حياتهن العاطفية ومع ذلك يواصلن حياتهن كل على طريقتها.

تقدم الدراما التلفزيونية إذا هذا التنوع في المعالجات كعينة من بين عينات كثيرة لكن الخلاصة أنها بانوراما تبقى فيها شخصية المرأة على الشاشات موضع جدل محتدم حول حدود الموضوعية وحدود تحررها وعدم استغلالها أو تهميشها وهي من المعطيات الأكثر بروزا، فالعنف بكل أشكاله تعج به هذه المسلسلات وإن بمستويات مختلفة، شخصية الأب والأخ المسيطرة، الآمر الناهي هي صفة غالبة مع استثناءات عمدنا إلى تقديمها من خلال إرادة المطلقات ومن خلال نساء مسلسل العهد في مقابل نساء هامشيات، فهنالك دوما رجل بإمكانه أن يختصر ويهمش وجودهن كما هي شخصية يحيى في مسلسل طريقي.

وهكذا يمكن القول إننا أمام إشكالية تتعلق بالوفاء للواقع فغالبا ما بقي الهم الاجتماعي محركا أساسيا بينما شخصية المرأة القوية والمثقفة والمتوازنة تكاد تكون نادرة الظهور في هذه الكثرة الكاثرة من الشاشات التي تزج بالنساء من جميع الفئات والطبقات.

20