الأدوية المهربة تزيد من معاناة مرضى غزة

المهربون يلقون بضمائرهم جانبا من أجل الربح الوفير، فلا تعنيهم صحة الإنسان ولا مخاطر ما يروّجون له، بقدر ما يعنيهم الرقم الذي سيحققونه في ربحهم من المال، ومن أجل المال يتورط المسؤولون في الترويج لأدوية فاسدة ومجهولة المصدر دون وازع أخلاقي.
الخميس 2016/07/14
المستشفيات تعاني من نقص في الدواء

غزة- تنتشر في قطاع غزة العشرات من أنواع الأدوية المخالفة للمواصفات وأخرى لا تحتوي على أي مادة فاعلة، ما يجعلها أدوية ممنوعة وضارة ومجهولة المصدر، لكنها تحظى بانتشار واسع بعيدا عن الرقابة الرسمية. وعادة ما يتم الترويج لهذه الأدوية بأنها تستعمل لتخفيف الوزن وحرق الدهون، ويدّعي مروّجوها بأنها عشبية مئة بالمئة وليست لها أي آثار جانبية، بينما يؤكد مختصون أنها تحتوي على مكونات أخرى تم سحبها من الأسواق الغربية، وثبت تأثيرها الضار وتعارضها مع الكثير من الأدوية.

يقول مختصون إن الحصار الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة منذ منتصف عام 2007 أنتج العديد من الظواهر السلبية في المجتمع كانت تمارس في الخفاء وتحوّلت لكثرة الإقبال عليها إلى العلن جرّاء حالة التدهور الاجتماعي المتصاعدة، وفي مقدمة ذلك تجارة الأدوية المهربة. ويقول محمد شعث، وهو صاحب صيدلية في غزة، إن تجارة الأدوية مجهولة المصدر ومحاولة تركيب ومزج المواد الطبية في معامل سرية أمر رائج جدّا في قطاع غزة منذ عدة أعوام.

ويضيف شعث “إن تجارة الأدوية تعدّ من أكبر أنواع التجارة الرائجة وتدرّ أمولا طائلة، خاصة عند الحديث عن الأدوية الفاسدة أو الخالية من المادة الفاعلة، لكونها تجذب الكثير من الزبائن وينفقون عليها الكثير من المال من دون أن تعود عليهم بأي فائدة طبية، وأحيانا قد تترك لهم آثارا جانبية”. ويشير محمد شعث إلى أنه ثبت في الكثير من الأدوية المهربة إلى قطاع غزة استخدام مادة السوبترين الطبية والتي تم سحبها عالميا منذ عدة أعوام نتيجة تسببها في أضرار جانبية، لكن تستخدم بكثرة في قطاع غزة بأسماء وهمية مختلقة وبادّعاء أنها عشبية لا آثار جانبية لها.

المواطن في غزة يبحث عن الدواء الأقل ثمنا بسبب التدهور الاقتصادي الحاصل في القطاع

ويؤكد شعث أن الأدوية المهربة شهدت رواجا كبيرا منذ بداية عام 2010، وقد تواصلت عمليات التهريب رغم التقليص الحاد في عمل الأنفاق منذ صيف عام 2013 باعتبار أن الأدوية سهلة النقل ومربحة جدا. وبحسب إحصائيات محلية يوجد في قطاع غزة نحو 560 صيدلية، و60 مستودعا للأدوية، ومصنعان للأدوية، أحدهما توقف عن العمل نتيجة الحصار الإسرائيلي وعاود نشاطه مؤخرا، ولكنه لا ينتج سوى كميات محدودة من الأدوية.

يقول أمين سرّ نقابة الصيادلة في غزة عبدالهادي أبوسرية إن “الأدوية المهربة ظاهرة موجودة منذ سنوات الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، ولكنها تفاقمت مع رواج عمل الأنفاق وفرض الحصار الذي قلل من دخول أنواع الأدوية بالطرق الرسمية”. ويضيف أبوسرية أنه “عندما يحدث نقص في الأدوية بالمستشفيات والصيدليات المحلية يتم تعويضها بالأدوية المهربة، وانتشارها يعود لعاملي الحصار والسعر، كما أن عدد المفتشين غير كاف لضبط تلك الأدوية المهربة بكميات كبيرة”.

ويشير إلى أن مفتشي وزارة الصحة لا يتمكنون من الجزم بجودة الأدوية المهربة عبر الأنفاق مثلا، ولا توجد الإمكانية لمتابعة كل الأدوية التي تدخل عبر تلك الأنفاق، لكن في كل الأحوال يتم ضبط تلك الأدوية ومصادرتها على الفور. وبحسب أبوسرية فإنه لا حاجة لفحص الأدوية المهربة للتأكد من مدى فاعليتها “لأنها تعتبر راسبة لكون أن عملية إدخالها لم تخضع لأي إجراء من إجراءات النقل والتخزين الصحية، كما أن الذين يقومون بجلبها وتسويقها غير مختصين”.

وسبق أن أعلنت وزارة الصحة والأجهزة الأمنية في قطاع غزة مرارا عن مصادرة كميات كبيرة من عشرات الأنواع من الأدوية المهربة إلى قطاع غزة؛ وأغلبها تخلو من أي مواد فعالة. وتحاول الأجهزة الأمنية في غزة الإمساك بخيوط كثيرة للوصول إلى مصادر مروجي الأدوية المهربة، والتي تدور شكوك كبيرة حول المواد المركبة فيها في محاولة لوضع حدّ لهذه التجارة التي تقوم على استغلال حاجة المرضى وضعف إمكانياتهم.

يقول مدير دائرة المباحث الطبية في قطاع غزة محمد المعصوابي إنهم ضبطوا خلال الأعوام الأخيرة كميات كبيرة جدا من أدوية تم التبرع بها، وأخرى مهربة تدخل إلى القطاع بشكل غير قانوني ومن دون مراعاة للمواصفات والمعايير اللازمة.

مفتشي وزارة الصحة لا يتمكنون من الجزم بجودة الأدوية المهربة عبر الأنفاق
ويذكر المعصوابي أن أغلب كميات الأدوية المهربة المضبوطة هي من المواد الجنسية وهي في غالبها من نوع الفياغرا بأصنافها المتعددة، إلى جانب أنه تم التحفظ على كميات كبيرة وممنوعة من الأدوية مثل الترمادول أو أنواع علاج الصحة النفسية.

وينبه إلى أن الانقسام الفلسطيني الداخلي والخلافات الداخلية أثرت سلبا على توفير الدواء اللازم للجهات المعنية بتوصيل الأدوية سواء إلى المستودعات الحكومية أو إلى الصيدليات، ما فتح الباب أكثر أمام رواج عمل مهربي الأدوية وأضعف نوعا ما الرقابة الحكومية عليهم. ويلاحظ أن القوانين الفلسطينية وعلى رأسها مزاولة مهنة الصيدلة تحظر البيع أو التجارة بالأدوية إلا من الجهة المرخص لها ببيعها، كما يحظر عليها بيع الأدوية التالفة أو المهربة.

كما أن المادة 67 من قانون الصحة الفلسطيني تحظر التداول بالبيع، أو الشراء، أو الصرف أو الاستخدام لأي من العقاقير الطبية التي تكون منتهية الصلوحية وفقا للتاريخ المدون عليها. وتحظر المادة 65 من نفس القانون إقامة معامل أدوية بشكل شخصي وتؤكد على ضرورة أن تكون العقاقير الطبية المتداولة مسجلة في الدستور الدوائي المعتمد من وزارة الصحة الفلسطينية، فيما أن المادة 70 من القانون تحظر على غير الصيادلة المرخص لهم بمزاولة المهنة تحضير أي عقاقير طبية أو مستحضرات صيدلانية.

ورغم صرامة القوانين، فإن من يدقق في الأمر لدى معاينة ما يتم عرضه في الكثير من صيدليات غزة يجد الكثير من أصناف الأدوية مجهولة المصدر، دون أي تحفظ أو رقابة. ويقر رئيس قسم تحليل الأدوية في وزارة الصحة بغزة صالح الطويل بوجود حالة من الفوضى في بيع الأدوية، بخلاف القوانين التي تتضمن تشديدات حازمة على طرق تصنيع الأدوية وترويجها في إطار ضوابط مزاولة المهنة.

ويعزو الطويل قدرا كبيرا من رواج تجارة الأدوية المهربة ومجهولة المصدر إلى أن المواطن في غزة يبحث عن الدواء الأقل ثمنا بسبب التدهور الاقتصادي الحاصل في القطاع، إلى جانب الضعف الحاصل في التوعية من مخاطر عدم تناول الدواء الآمن. ويلفت إلى أن “سوق تهريب الأدوية إلى غزة واسع جدا وتوجد لدى القائمين عليه قنوات تهريب متعددة بما في ذلك تهريب المواد الخام اللازمة للتصنيع، وهو ما يتطلب تشديد الرقابة على مستودعات الأدوية والصيدليات التي لا يجوز لها أن يكون لديها أي نوع من الأدوية دون إثبات هوية مصدره”.

20