الأديان السماوية متسامحة وبريئة من إثارة التوتر الديني والطائفي

الثلاثاء 2014/04/29
جامع الخلفاء وكنيسة العذراء يتجاوران في بغداد منذ عقود

لا يختلف إثنان على أن الأديان هي هبة من الله عز وجل للبشرية جمعاء، للارتداد عما كان قبلها من طقوس وموروثات ليست فيها أية صفة للإنسانية أو التسامح. موروثات كانت بدائية وأشبه ما تكون بممارسات وطقوس همجية ووثنية تضاهي أفعال الحيوانات الكاسرة وتماهيها وحشية، حيث كانت تمجد الأقوى والأغنى وتسجد لهما.

فلما نزلت هذه الأديان تباعا تغيرت أنماط الحياة ومفاهيمها وتوسعت مدارك البشر جميعها، تقريبا، إلاّ بعض الأقوام التي لم تؤمن بها وهي ما زالت باقية إلى يومنا هذا، ولكنها تعيش متآخية مع غيرها، وهذه المدارك المتفتحة انصبت في خانة واحدة ألا وهي مخافة الله دون غيره ونشر السلام بين أتباعها والأقوام الأخرى، حيث قام الأنبياء والرسل وهم صفوة البشر بالتبليغ كل بحسب ما أوحي إليه من ربه، وبذروا بذور التسامح والتعاضد لخير البشر.

ولا أدل على ذلك من وصية النبي عيسى وهو يوصي رعيته بأن “أحبوا أعداءكم” وكذلك الرسول محمد حين قال “من آذى ذميا فقد آذاني”. فهل هناك تسامح وتواضع أكثر من هذا؟

وإن الله لم يفضل دينا على آخر، فلو أراد ذلك لما أوجد ثلاثة أديان، بل كان اكتفى بواحد فقط ، فله في ذلك حكمة لكن لا يفقهها بعض البشر إلى يومنا هذا، حيث يدأبون على معصية الله بنشرهم الفرقة والتناحر بين خلق الله. فالسؤال المطروح هنا وبشدة هو لماذا يحدث هذا ولمصلحة من؟

إذ ليس هناك من مستفيد غير أعداء الله والإنسانية أينما وجدوا، حيث انقلبت مخافة الله إلى عبادة المال.

إن المضحك المبكي هنا هو أن من يدعون أنفسهم حماة للأمن الدولي، هم أنفسهم أعضاء في مجلس الأمن الدولي، يغذون التيارات المرتدة عن مفاهيم السماء، والتي ما فتئت تدعي الإسلام والدين الحنيف. فالإسلام بريء منهم براءة الذئب من دم يوسف.

تلك التيارات التي ملأت الساحات، وتحت مسميات مختلفة، والتي ما أنزل الله بها من سلطان؛ تحت غطاء الديمقراطية والحرية تارة، وتارة أخرى تحت لحاف الربيع العربي، وأي ربيع هذا الذي تروى أزهاره وكرومه بدماء أناس أبرياء لا ذنب لهم إلا إخلاصهم لأوطانهم ومبادئهم؟

فلو قورنت مذابح هولاكو بما يجري الآن في العراق وسوريا وغيرها من الدول الإسلامية، لكانت أرحم لأنّه لم يكن على دين سماوي ليهديه إلى طريق الحق.

النبي عيسى أوصى رعيته بأن "أحبوا أعداءكم"، وكذلك الرسول محمد قال "من آذى ذميا فقد آذاني"

في عراقنا الجريح؛ هذه الأرض الطاهرة أرض الأنبياء والمرسلين، ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام1921، وقبلها وبعدها، كان المسيحي يعيش مع أخيه المسلم، وحتى اليهودي، في حب ومودة وجيرة يشهد الله عليها.

وأتذكر وأنا من مواليد الثلاثينات كيف كنا جميعا، سواء في المدرسة أو البيت أو الشارع شعبا واحدا مخلصا للعراق، والكل على استعداد للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل تربته المقدسة، ولم نكن نسمع أو نشاهد ما يكدر صفو هذه الألفة المباركة وكنا نتناول الطعام على مائدة واحدة وكعائلة واحدة، فماذا جرى؟ وهل على البشرية أن تتقدم وتتوحد بكل تلويناتها وخلقها أم أن تتراجع إلى عصورها المظلمة ولا حديث إلا للسيف والمشانق؟

ففي العراق كممت الأفواه المخلصة والأصيلة في وضح النهار، ومجلس الأمن الدولي يغض الطرف عن كل ذلك، وخلف كواليسه المخملية تجري اتفاقات وصفقات لتمزيق أمم هادئة وهانئة وشعوب مسالمة قصد تقسيمها إلى دويلات تحت الطلب.

إن الذي اشترى العراق ليس بغريب، بل هو جار، له أطماعه التاريخية منذ سقوط الخلافة الإسلامية، وقد قام بتسليمه إلى أناس يدعون المواطنة وهم أبعد ما يكونون عنها.

نسأل الله أن يهدي هؤلاء القوم وغيرهم لينشروا الحب والتسامح المفقودين بين الناس، كي يعم الخيروالسلام.

13