الأديان في سيراليون تتآلف لترسي التعايش وتتحد لتواجه الكوارث

الثلاثاء 2014/11/04
قادة الأديان في سيراليون ينسقون جهودهم مع الهيئات المعنية من أجل الحفاظ على سلامة الروح البشرية

فريتاون - المكانة التي تحظى بها الأديان في نفوس البشر كبيرة بشكل يجعل منها قادحا قويا لتغيير السلوكات والطبائع. هذه الحقيقة لطالما وعت بها سيراليون واعتمدت عليها لمجابهة الأخطار والكوارث وتوعية الناس، حيث أن القادة الدينيين في البلاد لم تقتصر أعمالهم النبيلة على خلق جو من التعايش بين أبناء الوطن الواحد من مختلف الديانات، بل تجاوزت ذلك لتعاضد جهود الحكومة في التصدي لأي طارئ يمكن أن يهدد حياة المواطنين، على غرار توحدهم الأخير في مواجهة فيروس “إيبولا” القاتل.

وحد الزعماء الدينيون، المسيحيون والمسلمون على حدّ سواء، في سيراليون جهودهم، للمساعدة في احتواء انتشار فيروس “إيبولا” القاتل في البلاد، وذلك باستخدام إشارات من الكتابين المقدسين؛ القرآن والإنجيل، لإثناء المؤمنين عن الممارسات التي يمكن أن تهدّد حياتهم.

وفي هذا السياق، قال الحاج بيلور جالوه، الرئيس التنفيذي لـ”فوكس 1000”، وهي منظمة غير حكومية محلية: “الناس في سيراليون أتقياء على اختلاف دياناتهم، يؤمنون بالصلوات، وبوجاهة رأي الزعماء الدينيين الذين يشجعونهم دائما على التعايش في ما بينهم من جهة وتجنّب كل ما من شأنه أن يعود عليهم بالمضرّة في حياتهم اليومية من جهة أخرى”.

وأضاف جالوه: “لا فرق بين صلوات المسيحيين والمسلمين لأن الدعوات التي يسمعونها خلال صلواتهم توجههم إلى الأفعال السليمة وتعطيهم الأمل”، مشيرا إلى أنّه بـ”الإضافة إلى الصلاة، يجب على الناس اتخاذ الإجراءات المناسبة للابتعاد عن الأخطار المحيطة، وكذلك يجب على القادة الدينيين الذين يسعون إلى بثّ قيم التسامح والتعايش بين السكان أن يتحملوا مسؤوليتهم كذلك في جانب حياتي آخر ويساعدوا أتباعهم لاتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل البقاء في مأمن من فيروس إيبولا، لأنّ كلمتهم مسموعة”. ويمثل الإيمان أمرا أساسيا لحياة العديد من المواطنين السيراليونيين على اختلاف دياناتهم، ويعتبر بمثابة القوة الدافعة في كل شيء بداية من كيان الأسرة، والعلاقات بين مختلف جوانب المجتمع.

الأديان لم تجعل ليتم استخدامها لقتل الإنسان، إنما هي مجعولة للتوعية بضرورة تكريم الذات البشرية وحمايتها

وانطلاقا من ذلك الاعتبار، حشدت منظمة جالوه الزعماء الدينيين المسلمين والمسيحيين للمساعدة في كسر سلسلة العدوى السريعة لفيروس “إيبولا”.

وأوضح جالوه، أنه تم تدريب القادة الدينيين على استخدام إشارات (نصوص) من الكتب المقدسة، لإثناء المؤمنين عن الممارسات التي يمكن أن تهدد حياتهم، فالسلطة المعنوية التي تسخرها الأديان غايتها الأسمى حماية البشر وتوعيتهم لا دفعهم نحو التناحر.

وأضاف قائلا: “قمنا بتطوير مواد تحتوي على رسائل رئيسية، يدعمها كل من القرآن الكريم والإنجيل: رسائل مثل لا تغسل جثث الموتى، وأبلغ المستشفيات عن حالات المرض، واغسل يديك بالماء والصابون بانتظام”.

من جهتهم، أشار مسؤولو الصحّة إلى بعض الممارسات التقليدية والدينية التي تعرقل جهودهم الرامية إلى وضع حد لخطر فيروس إيبولا في سيراليون، وتشمل بعض هذه الممارسات الطقوس الجنائزية التي تنطوي على لمس وغسل جثث الموتى، وأحيانا تقبيل متعلقات أو بقايا أحد أفراد العائلة المتوفين.

وتشير الإحصاءات الأخيرة الصادرة عن وزارة الصحة في سيراليون إلى أن ما بين 70 إلى 80 من المصابين، أصيبوا بعدوى الفيروس جراء التعامل غير الآمن، ودفن الأقارب.

يذكر أنّ العديد من أفراد الأسر يدفنون جثث ذويهم سرا، دون إبلاغ السلطات خوفا من دفن أقاربهم “بطريقة مشينة ومسيئة”، فيما يعتقد البعض أن فرق الدفن الحكومية تلقيهم فقط في بعض المقابر الجماعية الضخمة.

من جهة أخرى أشار جالوه إلى واقعة، قام خلالها القرويون في الجزء الشمالي من البلاد، باستخراج رفات إمام قريتهم الذي دفنه فريق حكومي، احتجاجا على الطريقة التي دفن بها، وغسلوه قبل دفن الجثة، حتى أن بعض القرويين استحموا بماء الغسل، ظنا منهم أنها ستجلب لهم البركة.

وقد أدى ذلك، وفق تعبيره، إلى وقوع العديد من الوفيات في تلك القرية جراء العدوى بالفيروس الذي أفنى تقريبا سكان القرية بأسرها.

مجابهة القادة الدينيين للكوارث الطارئة لا تقل شأنا عن خلق جو من التسامح والتعايش بين البشر

كما أوضح جالوه أن منظمته لجأت إلى “المجلس المشترك بين الأديان” الذي يحظى بشهرة في البلاد، وهو عبارة عن مجموعة تضم الزعماء المسلمين والمسيحيين الذين سخروا جلّ طاقاتهم في ما مضى لنشر قيم التسامح وخلق جو من التآلف والتعايش بين أبناء الوطن الواحد، لوضع حد لهذه الأرقام المتزايدة من المصابين والتصدي إلى فيروس “إيبولا”.

من جهته، أوضح رئيس المجلس المشترك بين الأديان، الشيخ أبو بكر كونته، أن الناس يتمسكون ببعض هذه الممارسات بسبب معتقداتهم، فهم يعتقدون أنّهم إذا لم يغسلوا جثة الشخص فإنه لن يذهب إلى الجنة”.

وأضاف العالم المسلم: “هذا مصدر قلق خطير بالنسبة لنا، ولهذا نريد نحن -الزعماء الدينيّون المسلمون رفقة إخوتنا المسيحيين- أن نقدم مثالا آخر عن التعايش أساسه التوحد في مواجهة الأزمات من خلال تكثيف حملتنا لاحتواء فيروس إيبولا”، مشيرا إلى “أنّ هذه الظروف التي تمرّ بها البلاد تعدّ استثنائية، والناس يجب أن يكونوا على استعداد لتغيير بعض السلوكيات التي تعرضهم لخطر الإصابة بالفيروس”.

ومن جهتها أيدت الكاهنة المسيحية سوتين كوروما، التي ترأس مجموعة العمل المسيحية في “المجلس المشترك بين الأديان”، وجهة نظر أبي بكر كونته، حيث أعربت عن تشجيعها للمؤمنين من مختلف الديانات للاستماع إلى القساوسة والأئمة فضلا عن اتّباع إرشادات مسؤولي الصحة، مشددة على أنّ مجابهة القادة الدينيين للكوارث الطارئة من خلال تقديم التوعية والتوجيهات اللازمة لا يقلّ شأنا عن خلق جو من التسامح والتعايش بين البشر.

تجدر الإشارة إلى أنّ هذه ليست المرة الأولى التي تُوظّف فيها سيراليون جهود الزعماء الدينيين في حملة وطنية، حيث لجأت إليهم الحكومة عام 1986 وجندتهم، لمواجهة تحدّ خطير يتمثل في إقناع الأسر بتطعيم أطفالهم ضد أمراض الطفولة.

ومع زيادة إشراك الزعماء الدينيّين ارتفعت معدلات التطعيم من 4 بالمئة عام 1986 إلى أكثر من 75 بالمئة عام 1990.

وإنّ دلّ هذا الأمر على شيء، فهو حتما يدعم فكرة أنّ الأديان لم تجعل يوما ليتم استخدامها وتطويع نصوصها لقتل الإنسان، إنّما هي مجعولة بالأساس لتدفع نحو السلام والتعايش والتحابب، وكذلك التوعية بضرورة تكريم الذات البشرية وحمايتها من أي مكروه.

13