الأديان والمعارف المبهرة قبل الإسلام في معجم أردني جديد

من خلال التعريف اللغوي قدّم المعجميّون إضاءات تاريخية ومعرفية للكثير من مفاتيح التراث الثقافي والحضاري العربـي قبل الإسلام.
الخميس 2021/06/03
الآلهة جزء من التراث العربي

كان العرب سباقين في إنشاء المعاجم التي تمثّل محامل معرفية هامة وضرورية لكل ثقافة ولغة وحضارة. ومنذ “كتاب العين” للخليل بـن أحمد الفراهيدي، الذي يعتبر أول معجم في العالم، أنشأ العرب الكثير من المعاجم، وتبقى المعاجم المعاصرة والمختصة في حقب تاريخية معينة أو مواضيع بعينها غاية في الأهمية.

يجد القارئ في معجم “مفاتيح التراث: معجم الأديان والمعتقدات والمعارف قبل الإسلام”، للناقد والباحث الأردني محمد عبيدالله، معظم المداخل اللازمة للإحاطة بأديان العرب ومعتقداتهم ومعارفهم قبل الإسلام.

 ويتضمن المعجم، المؤلَّف من 257 مادة، أسماء أديان العرب وأصنامهم وأنصابهم وأوثانهم. كما يشمل تسميات الوظائف والجماعات ذات الطابع الديني، وبعض الأساطير والخرافات والممارسات والطقوس القديمة، إلى جانب التعريف بالأماكن والمعابد التي كانوا يمارسون فيها عباداتهم، وسبل المعرفة القديمة كالكهانة والعرافة والقيافة والتطيّر وزجر الطير ونحو ذلك، مما حاولوا من خلاله استشراف المستقبل والاطلاع على الغيب والمجهول.

مفاتيح التراث

محمد عبيدالله يؤكد أن معجمه قد راعى التوجّه التاريخي بمحاولة الاقتراب، قدر الإمكان، من المعنى التاريخي للألفاظ

يكشف المعجم، الصادر حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بدعم من جامعة فيلادلفيا الأهلية في عمّان، عن تصوّر العرب للكائنات غير الإنسية من خلال تفسير التسميات التي حفظتها اللغة والأشعار التي أوردت تلك الكائنات.

وفي معارف السماء يعرّف المعجم ببعض مفاتيح الفلك والنجوم والأنواء والأزمنة، وخصوصا ما كانت له صلة بالديانة والمعتقد. كما تعنى بعض مداخله بمعارف العرب في معالجة بعض الأمراض، وقد اختلط في فهمهم المرض بالاعتقاد، فتصوّروا أن سبب المرض يعود إلى فعل الجنّ أو غضب الآلهة، فلجأوا إلى سدنة الأصنام والكهنة والعرّافين للاستطباب.

ويرى المؤلف أن العرب قد سبقوا إلى إعداد المعاجم وصناعتها منذ القديم، ففي القرن العاشر الميلادي وضع الخليل بـن أحمد الفراهيدي (ت نحو 175هــ) كتاب “العين”، وهو أول معجم في العالم وليس في اللغة العربية وحدها. ووُضِعت بعده معاجم متعدّدة المناهج والطرائق، تضمّنت مادّة ثريّة عن حقبة ما قبل الإسلام وما بعده.

وفي ضوء محدّدات الفصاحة وصحّة اللغة غدت للشعر الجاهلي قيمة عالية، لأنّه يحقّق تلك المعايير والقواعد أفضل تحقيق، بل يُعدّ شاهدا على صحّة اللغة وفصاحتها، ويعدّ عنصرا من عناصر فهمها وإدراك أبعادها.

ومن خلال التعريف اللغوي قدّم المعجميّون إضاءات تاريخية ومعرفية ومعلومات موضّحة للكثير من مفاتيح التراث الثقافي والحضاري العربـي قبل الإسلام. ويبين عبيدالله أن معجمه ينتمي إلى ذلك التراث المعجمي، وإن كان يختلف عنه في بعض معالم المنهج وطريقة التأليف في ضوء تطور صناعة المعاجم وترتيبها وتحريرها في العصر الحديث.

مشروع معجمي

المعجم يتضمن أسماء أديان العرب وأصنامهم وأنصابهم وأوثانهم

عن هذا المشروع الموسوعي المعجمي أوضح عبيدالله أن إصداره جزء من مشروع بدأ به منذ نحو عشر سنوات ويهدف إلى الإحاطة بالكلمات المفاتيح لألفاظ التراث الحضاري والثقافي عند العرب، ذلك أن هذه الألفاظ لها قيمة خاصة في المدونة اللغوية لقوة دلالتها على الفكر والوعي العربيّيْن.

ولفت المؤلف إلى أن هناك عدة أجزاء يقوم بتحريرها لتصدر في الفترة القادمة، ومن المتوقّع أن تشمل -وفق قوله- عدة معاجم: معجم مصطلحات اللغة والكتابة والأدب، ومعجم المجتمع والثقافة الشعبـية الذي يضم مداخل حيوية حول: القرابة والنسب والجماعات والزواج، وحول دورة الحياة وثقافة المجتمع، وألفاظ أيام العرب وتقاليد الحرب، وألفاظ الأسواق والبـيوع والمكاييل والأوزان والنقود، ومعجم الحضارة المادية الذي يشمل: الأطعمة والأشربة والآنية، والزراعة والبئر والنبات، والصناعة (الأدوات، سلاح العرب). ومعجم الفنون والألعاب والأزياء ويتضمن: الرسم والتصوير، والنحت والزخرفة والعمارة، والموسيقى والغناء، والألعاب والملاهي، والأزياء والمنسوجات والحلي والزينة والعطور.

وعما يتميز به هذا المعجم وما يضيفه إلى المكتبة العربية يقول المؤلف إن ذلك قد يتأتى من اجتهاده في المواءمة بـين المنهجية المعجمية أو متطلبات الصناعة المعجمية من جهة والمحتوى المعرفي الحضاري المرتبط بالحياة العربـية قبل الإسلام من جهة ثانية، وإفادته من فكرة وجود نوع من المعاجم التاريخية المتعلّقة بحقبة تاريخية أو حضارية معيّنة.

ويطمح عبيدالله أن يسير مشروعه المعجمي في الاتجاه نفسه، ويكون تمام أجزائه إيذانا بوضع معجم التراث الحضاري والثقافي عند العرب قبل الإسلام، بما يوفّر معجما مرجعيا ذا طبـيعة موسوعيّة، يجمع بـين فروع المناهج والمعارف المتنوعة، ويقاوم ضيق التخصص، ليملأ مساحة لم تزل فارغة تتصل بالدراسات العربية الأنثروبولوجية والأدبية والثقافية.

ويؤكد المؤلّف أن معجمه قد راعى التوجّه التاريخي بمحاولة الاقتراب، قدر الإمكان، من المعنى التاريخي للألفاظ انطلاقا من أن المعنى يتغيّر ويتبدّل من مرحلة إلى أخرى؛ فالمعنى ظاهرة تاريخية متحوّلة، وثمّة نوع من المعاجم يسمّى اليوم بالمعاجم التاريخية التي تُعنى بـتطوّر الألفاظ مبـنى ومعنى، إلى جانب الاهتمام بـتأصيل الكلمة عبر الإفادة من اللغات السامية وغير السامية التي وفدت منها الألفاظ أو استُعملت فيها.

المعجم يتضمن بعض الأساطير والخرافات والممارسات والطقوس القديمة
المعجم يتضمن بعض الأساطير والخرافات والممارسات والطقوس القديمة

ويذكر عبيدالله أنه طبق معظم ما يهتم به المعجميون من عناصر معجمية، ومن ذلك الاهتمام بضبط الكلمة المفتاحية، ووصف ضبطها بالحروف إن لزم الأمر، وإن كانت لها أكثر من صورة نبّه إلى ذلك. أما المعلومات اللغوية فأثبـت منها ما يحتاج إليه القارئ للإلمام بالكلمة وتفهّم معناها واستعمالها.

أما عن اهتمامه بالتراث، إلى جانب اهتماماته النقدية المعاصرة، فلا يرى عبيدالله تعارضا بين المعاصرة والتراث، ذلك أن المعول عليه هو نظرتنا النقدية إلى التراث، وقدرتنا على فهمه وتفسيره وتحليله، وهو يضع نفسه مع تيار الحداثة التي تنهض على عناصر تراثية قوية، وقد ثبت أن الحداثة المنقطعة ضرب من المستحيل.

ويذكّر المؤلف القراء والمثقفين بأن قطاعا واسعا من مثقفي الحداثة العربية هم خبراء في التراث، من طه حسين إلى محمد عابد الجابري، وإحسان عباس، وناصر الدين الأسد، وعبدالله العروي، وغيرهم.

المعجم يقدم الكثير من المعلومات عن تصوّر العرب للكائنات غير الإنسية وعلوم الطب والشعر والدين

ويؤكد أنه تأثر بأساتذته الموسوعيين الذين لم يضيقوا على أنفسهم وعلى الناس، وكانوا يرون الثقافة العربية قديمها وحديثها حقلا اختصاصيا لهم. أما من يتخصصون في مسألة بعينها فلهم خياراتهم، لكنه لا يحبذ مثل هذه التخصصات، ويعدها ضيقة في أفقها وفي إنتاجها العلمي والثقافي.

يُذكر أن الدكتور محمد عبيدالله عميد كلية الآداب والفنون وأستاذ الأدب والنقد بجامعة فيلادلفيا الأهلية، وهو ناقد وباحث أصدر نحو عشرين كتابا في النقد الأدبي والدراسات العربية والمعجمية، وفاز بعدد من الجوائز العربية. من مؤلفاته: أساطير الأولين: الجنس الأدبي الضائع في السرد العربي القديم، الصناعة المعجمية والمعجم التاريخي عند العرب، الرواية العربية واللغة، رواية السيرة الغيرية: قضايا التناص وجدل التخييلي والتاريخي، الوعي بالشفاهية والكتابية عند العرب، بنية الرواية القصيرة في فلسطين والأردن، وغيرها.

14