الأديبة الخليجية بين الاستحقاق والتهميش

المرأة أقدر من الرجل دائما على التعبير عن مشاعر الضعف والألم والحزن.
الخميس 2019/08/08
القصيدة تكتب مشاعر قائلها (لوحة للفنان حسين مصدق)

السؤال الثقافي لا يزال يسكن المناطق المشغولة بالرجل والمرأة ذاتها، وفي مدى قدرتهما على التعبير عن سؤالهما الوجودي، وقضاياهما الكونية، ومعاركهما الذاتية والعالمية، فهل استطاعت الأديبة في الخليج العربي أن تتجاوز محنة التصنيف والقولبة بين كل ما هو ذكوري وكل ما هو نسوي؟ وهل تجاوزت التجارب النسائية في الخليج موقف الناقد العربي والخليجي منها؟ هذه الأسئلة ذات التكوين الانطباعي عليها أن تخضع لاختباري القراءة والكتابة المستمرتين حتى تتمخّض عنهما ما يمكن أن يشكّل حكما ولو نسبيا.

رغم حضور الأديبة الخليجية في مشاهد ثقافية وأدبية ذات اعتبار عربي وعالمي لافت، كان آخره فوز العمانية جوخة الحارثي عن روايتها “سيدات القمر” بجائزة أنترناشونال مان بوكر، إلّا أنه ما زالت هنالك أصوات نقدية عربية وخليجية أيضا لا ترى في أي تجربة من التجارب الشعرية أو الروائية أو القصصية النسائية في الخليج ما يستحق الإشادة والمتابعة.

وتذهب هذه الآراء إلى أن الجيل النسائي الأدبي الجديد يأتي ضمن مشهدية ثقافية سطحية متشابهة، لا يمتلك بصماته الإبداعية الخاصة، ولا تجاربه الذاتية العميقة، فلا مبدعاته يمتلكن حاضنة نضالية أو تجربة سياسية، الأمر الذي يدفع معظم الأديبات حين لا يجدن ما يكتبن عنه -حسب رأيهن- إلى الكتابة في النص الرومانسي العاطفي، وهو نص بارد الحضور، متوقّع النتائج، متشابه بين جيل كبير من التجارب النسائية، سواء في الخليج أو الوطن العربي. “العرب” في هذا الاستطلاع تقف على رأي شريحة من الكاتبات الخليجيات في هذا الشأن.

نميمة هشّة

 فاطمة إحسان: وظيفة الأدب تتلخص في التنقيب عن الأجزاء الصغيرة التي تصنع الأثر والمعنى
 فاطمة إحسان: وظيفة الأدب تتلخص في التنقيب عن الأجزاء الصغيرة التي تصنع الأثر والمعنى

بداية، تعتبر الشاعرة السعودية منال العويبيل أنه من الإجحاف الاعتقاد السائد بأنه لا وجود لتجارب شعرية نسائية في الخليج، وأن هذا الأمر أصبح يتردد بالتناقل كنميمة هشّة، فمهما تم دحضها تظلّ متداولة بحكم العادة والتقادم. وتوضّح العويبيل بأن هذا الرأي يظلم الأصوات الشعرية التي ساهمت في صنع ثقافة الخليج ومنجَزها الأدبي الرجالي والنسائي على حدّ السواء.

وترى الشاعرة العمانية فاطمة إحسان أن الكتابة عن الهواجس الذاتية لا يقل شأنا عن الكتابة التي تتمركز حول القضايا الوطنية أو القومية أو ما يدعى بالقضايا الكبرى، ففي اعتقادها أن التجربة الذاتية، بثقلها الوجودي والفكري والعاطفي، هي أصدق وأهم ما يمكن التعبير عنه على الإطلاق، عدا عن كونها تتقاطع مع القضايا الخارجية في زوايا حسّاسة بالنسبة للشاعر على نحو مخصوص.

وتضيف “أعتقد أن وظيفة الأدب تتلخص في التنقيب عن الكسور والأجزاء الصغيرة التي تصنع الأثر والمعنى، وفي نحت اللغة وتحويرها لتصبح بديلة عن اللغة ذات النبرة العامة، العالية، والفجّة، التي تغفل أكثر تجاربنا عمقا وحساسية. والتقاط الشعرية مما هو يومي ومعيش يتماهى مع هذا المطلب الإنساني من الأدب عامة والشعر بشكل خاص”.

وعن هذا الشأن تتساءل الشاعرة البحرينية سوسن دهنيم “ألا ترى أن الشعراء أيضا يغيّبون الكثير من القضايا في الشعر الحديث، إذا ما تحدثنا عن الخطاب بصيغته المباشرة؟”.وتجيب “مع وجود كل هذا الكم من الوسائل الإعلامية التقليدية والحديثة، لم يعد يطلب من الشعر أن يكون نشرة أخبار أو دعوة إلى الإضراب أو تصريح سياسي أو صراخ ثائر. ومع ملاحظة أن القضايا الكونية والأسئلة الوجودية والمواقف الإنسانية عادة ما تكون حاضرة في النص من خلال البسيط اليومي الذي تكتبه القصيدة الحديثة”.

بدرية الملاك: في النهاية الشعر كيفما تشعر، وكيفما ينبع من داخلك الصدق
بدرية الملاك: في النهاية الشعر كيفما تشعر، وكيفما ينبع من داخلك الصدق

وتضيف “القصيدة اليوم تكتب مشاعر قائلها، وأحاسيسه تجاه ما يحدث من حوله، سواء الشخصي أو ما يحدث للقريب أو الغريب. فالشاعر يكتب السعادة والحزن، الحرب والسلم، الانتصار والهزيمة، وهذا لا يزال موجودا في شعر المرأة والرجل على حد سواء. ربما يبدو ذلك جليا عند المرأة باعتبارها أقدر من الرجل على التعبير عن مشاعر الضعف والألم والحزن. وأما بخصوص الشعر العاطفي والرومانسي أو ذلك الذي يتعلق بشؤون القلب الخاصة، فما أكثر الشعراء الذين يتعاطون معه أيضا إذا ما قارناهم بالشاعرات، وأعتقد أن التشابه بين تجارب الشاعرات غير دقيق؛ إذ لا يمكن للغة أن تشبه الأخرى ولا يمكن لنبض أن يكون مثل غيره”.

قضايا جوانية

من جانبها تعلّق الشاعرة السعودية رباب إسماعيل بأن “الشعر حاسة أخرى يرصد بها الشاعر اختلاجات روحه في حركة الكون، كما أن باطنه الشغف، لذلك كلما شغفت بشيء ما أو بجانب ما في هذا الكون، فأنت تُعطي تلك الحاسة القدرة على الرؤية والانعكاس. كما يتضاعف الشعر في الأماكن الأكثر توترا والأكثر فقدا لدى الإنسان”.

منى الصفار: الوطن والقومية والكلمات الكبيرة هي ما يولد من الإنسان، ولا ما يحيط به وحسب
منى الصفار: الوطن والقومية والكلمات الكبيرة هي ما يولد من الإنسان، ولا ما يحيط به وحسب

وتضيف “إن الطبيعة الأنثوية للمرأة بشكل عام تجعل هذا التوتر العاطفي الأكثر تجليا في تجربتها. أمّا التشابه فليس مشكلته الموضوع كعاطفة، بل مُعالجة القصيدة وأدواتها من ناحية اللغة وتوليد المعاني. فالرجل أيضا يكتب النص العاطفي وبشكل مكثف. لكنها العاطفة الأكثر جرأة وتجسيدا، والأقل مجازا مقارنة بكتابة المرأة. لكن كل ذلك لن يستمر طويلا، إذ تتجه الحياة، وبالتالي اللغة إلى تخفيف حدّة التمايزات بين نص الشاعرة والشاعر، نحو نص إنساني بالدرجة الأولى. وأؤكد هنا على التخفيف وليس اختفاء التمايز بينهما، إذ أن الاختلاف الطبيعي هو جزء أصيل لديهما لا يمكن ولا ينبغي تجاوزه”.

ترفض الشاعرة العمانية بدرية الملاك هذا الاتهام للنص الأدبي النسائي الخليجي، وترى أن “كثيرا ما يتم حصر الشاعرة العربية تحديدا تحت إطار الوجود الرومانسي، وهي ملاحظة منصفة -إن صدقنا القول- لعدة أسباب، أهمها وجود تمركز ذكوري على القضايا الأخرى، ولكون هذه القضايا عند المجتمعات الشرقية من العيب والمحرمات، أحيانا، أن تتحدث فيها الشاعرات؛ لكون التصوّر العام عن المرأة العربية أنها “عاطفية، ناقصة وخجولة. ولذا كانت الرومانسية المنفذ والمنقذ لهذه الشاعرة للتنفيس قليلا. ومن هنا نرفع القبعة لأولئك النسوة المتمردات على الطرح الذي تجرّأ على تلك الأفكار المجحفة في حق الشاعرات؛ فالشعر هو متنفس ورسالة، وليس محض دعاية رومانسية”.

وتضيف الملاك “حقيقة إن الحكم يتطلب دراسات ومعاينات مبنية على ما يسمى وقائع مؤكدة، حيث إنني حسبما أرى هناك من يتبنى القضايا الكبيرة قومية كانت أو وطنية، وذلك حسب قراءته العميقة للوجود من حوله، وهناك من يراه عكس ذلك. ولكنه ليس بالأمر الجلل؛ ففي النهاية الشعر كيفما تشعر، وكيفما ينبع من داخلك الصدق، فهو ليس طلبية من مطعم معين! وكان قمع الحريات وتقييدها سببا في تراجع الكثيرين عن الحديث ولو على سبيل الشعر؛ فكم من قصيدة رمت بصاحبها إلى الهاوية، فنحن اليوم بحاجة إلى محام عن كل سطر نكتبه”.

فوز العمانية جوخة الحارثي بجائزة أنترناشونال مان بوكر: الشجرة التي تخفي الغاب
فوز العمانية جوخة الحارثي بجائزة أنترناشونال مان بوكر: الشجرة التي تخفي الغاب

وتذهب الشاعرة البحرينية منى الصفار إلى القول إن النص الجديد هو نص الذاتية بامتياز، ولا ترى في ذلك ما يضره؛ ابتعاده عن القضايا القومية والوطنية الكبيرة، واهتمامه بشكل مباشر بكل ما هو مشخصن ضمن تجربة الشاعر أو الشاعرة في حدودهما اليومية.

وتقول “الشعر يتناسب ورتم (إيقاع) العالم في الفترة التي يكتب فيها، نحن الآن أكثر اتصالا بأنفسنا، لذلك من المنطقي أن يكون النص في هذه الفترة يشبهنا، فرغم أننا نتواصل مع الآخر بطريقة أسهل، إلّا أن هذه السهولة في التواصل جعلت الإنسان أكثر اتصالا بذاته، القضية الكبرى هي الإنسان ومن الإنسان تولد بقية القضايا، لذلك لا أجد أن شخصنة النص تسرق من النص بقدر ما تضيف إليه”.

وتختم “الوطن والقومية هي ما يولد من الإنسان ولا ما يحيط به وحسب، لذلك أجد أن الإغراق في اليومي والإغراق في الذات والحديث عن القضايا الجوانية لا يمكن أن يفصلنا كل ذلك بشكل قاطع عن القضايا الكبيرة، القضايا التي من المفترض أن تدور في فلك الإنسان لا أن يدور في أفلاكها، وأن يتحدث عنها بصيغة ما يعتمل فيه، ولا ما يحاول تغييره”.

14