الأديب سليمان فياض يعيد رسم الوجه الحقيقي للخلافة الإسلامية

خلافات القهر التي لا يحكي عنها المؤرخون تفسر حال العرب اليوم.
السبت 2019/11/02
الوجه الآخر لخلافات القهر (لوحة للفنانة غلناز فتحي)

ربما الأدباء ليسوا مؤرخين، وقد تغيب عنهم منهجية التأريخ، لكنهم في النهاية الأقدر على كشف الوجه المجهول من التاريخ كلما تناولوه. يكشفون ما يسكت عنه المؤرخون، ويحللون الظواهر التي ينقلونها في شكل سردي يجعل من التواريخ والأحداث الجافة والحاسمة فرصة للتفكير. وهكذا كان الكاتب المصري سليمان فياض الذي أرخ لأهم الفترات الإسلامية بشكل مختلف.

الكاتب المصري سليمان فياض (1929 – 2015)، هو واحد من جيل الستينات، يتميز عن مجايليه بأنه صاحب الوجوه المتعددة؛ فهو روائي حاذق قدّم إلى المكتبة العربية روائع الكتابات الروائية مثل: رواية “أصوات”، و“القرين ولا أحد”، و“أيام مجاور”، وأيضًا هو قصاصٌ من طراز فريد؛ فله مجموعات قصصية غاية في الروعة والجمال؛ مثل “عطشان يا صبايا”، و“بعدنا الطوفان”، و“أحزان حزيران”، و“العيون”، و“زمن الصمت والضباب”، و“الصورة والظل” (1976)، و“ذات العيون العسلية” (1992). وهناك وجه الإذاعي الذي قدم الكثير من البرامج والمسلسلات في الإذاعة.

لكن يبقى لسليمان فياض وجه بالغ الأهمية يتمثّل في صورة المؤرخ، وقدم عبر هذه الصفة كتابات لأعلام العرب كابن النفيس وابن الهيثم وابن بطوطة والبيروني وجابر بن حيان وغيرهم، وهي جميعها إسهامات مهمّة في حقل التعريف بأعلام العرب. ومن صفة الباحث التاريخي أو المؤرخ كتب سليمان فيّاض كتابه البالغ الأهمية “الوجه الآخر للخلافة الإسلامية”، وقد صدر الكتاب أوّل مرة عن دار ميريت عام 1999، ثم أعيد طبعه مؤخرًا عن ذات الدار إلى جانب الأعمال الكاملة لسليمان فياض في مجلدات فخمة وأنيقة.

كشف الزيف

الكتاب لا تكمن أهميته في أنه بمثابة إعادة قراءة دقيقة وفاحصة لمفهوم الخلافة الإسلامية، وتفكيك كافة الأقانيم التي قيلت في التأكيد على وجودها التاريخي، أو حتى صلاحيتها فقط، وإنما تتمثّل أهمية الكتاب أيضا في أنه كان بمثابة قراءة مستقبلية للواقع الآني، بعد دخول العالم العربي في مستنقع الجماعات الإرهابية والدعوة إلى عودة الخلافة من جديد. كما أنه يضعها في إطارها الحقيقي، حيث يعتبرها فعلًا دنيويًّا، أو فعلاً بشريًّا استغل الدين لتحقيق مآرب شخصية للانتقام من الخصوم.

يُقدِّم الكتاب جذور الإرهاب الفكري، الذي صاحب فكرة استبداد الحكم. وكأنّه يربط بين التكفير والقهر واستبداد السلطة السياسية في صورة الاستحواذ بالحكم عبر آلية الخلافة، وما تنص عليه من إذعان وخضوع الرعية للإمام، الذي يكتسب صفات إلهية عند بعض المذاهب.

يرى فياض بصورة مجملة أن معظم الخلافات التي قامت سواء أكانت أموية أو هاشمية أو عثمانية / تركية، جميعها كانت خلافات قهر إمبراطورية، خلافات يضع خلفاؤها على وجوههم أقنعة الدين، حيث كانوا يستخدمون شعارات الدين لإخضاع البلاد والعباد. ومع الأسف يهدمون مقاصد الدين، كالعدل وحرية الاعتقاد والأمن والتكافل الاجتماعي والإخاء والمساواة، واستقلال بيت مال المسلمين عن بيوت أموال الحاكمين.

ومع سقوط الخلافة الرابعة (الخلافة العثمانية) سقط بسقوطها نظام الدولة الدينيّة والمدينة معًا. وإن كان يشيد فياض بالتيار الإسلامي المدني الذي كان سدًّا أمام محاولات العودة إلى النظام الخلافي في العقد الخامس من القرن العشرين. وإن كانت هذه المحاولات قد عادت من جديد في ظل تبني هذه التيارات شعارات ترفع راية الجهاد، وتكفّر النظم الإسلامية المدنية، وهو ما يدخلها في زمرة التنظيمات الإرهابية.

الكاتب يأخذنا في رحلة تاريخية يغلب عليها الطابع الأدبي وهو يقص بدايات الخلاف والاحتراب بين المسلمين

يسعى فيّاض في كتابه إلى تقديم صورة كاملة (حقيقية) عن عصور الخلافة، لا تلك التي راجت عنها في الكتابات المدرسية، خاصة ازدهاراتها وفتوحاتها العظيمة، وحركة تجارتها الداخلية والخارجية، والتطوّر العلمي، مع تجاهل كامل لمثالب هذه الخلافات، وصور قهرها لشعوبها، وما تعرض له الفقهاء والعلماء والكتاب من محن. ومن ثم آل على نفسه أن يستل من كتب المؤرخين المسلمين القدامى والمحدثين، ومن تحليلاتهم، صور الوجه الآخر لخلافات القهر، أو حسب وصفه الوجه القبيح.

يأخذنا فياض عبر صفحات الكتاب في رحلة تاريخية يغلب عليها الطابع الأدبي وهو يقص بدايات الخلاف والاحتراب بين المسلمين منذ ولاية عثمان، وبداية الخلافة بعد مقتل علي بن أبي طالب، واصفًا الألاعيب السياسية والحيل والمناورات التي بزّرها الخلفاء تارة بالذهب وتارة بالسيف لترهيب من يقف ضد رغباتهم في توطيد دعائم ملكهم. كما يرصد تطور نظام الخلافة في الدولة العباسية إلى نظام مماثل لنظام الفرس السياسي، الذي يرفع شعار الحق الملكي المقدس.

المثقف والسلطة

ويربط فياض بين الخوارج على اعتبار أنهم إرهابيو زمانهم، وبين تنظيمات الجماعات الإسلامية كإرهابيي زماننا. حيث كانوا يمارسون إرهابًا فكريًّا واغتيالات وحروبًا أحيانًا يكسبونها مؤقتًا، ويخسرونها دائمًا ضدّ غير المسلمين وضدّ المسلمين الذين لا يشايعونهم. وكأنه يردّ بأن سبب أزمتنا في هؤلاء أحاديي الرؤية، ومتعصبي الفكر، لا فرق بين الماضي والحاضر، فهم حاضرون في كل زمان، ما دام المناخ صالحًا لوجودهم وترويج أفكارهم. والأهم وجود الموالين الذين يسعون إلى نشر هذه الأفكار والدفاع عنها ولو بالسلاح.

ومن ثم يتوقف عند المحن التي حاصرت الأئمة الأربعة سواء من الخوارج أو من السلطة، في إشارة إلى حالة التعسُّف التي مارستها السلطة ضدهم، لرفضهم المداهنة، ولأنهم لا يؤكدون ولاءهم لها.

ويتطرق إلى الحالة الاقتصادية والاجتماعية في خلافات القهر، وكيف عمل هؤلاء الخلفاء على جمع المال من بيت مال المسلمين، لحساباتهم الشخصية، فأقاموا الحُجب على أبوابهم كما فعل معاوية، وعزلوا أنفسهم عن الناس حتى في الصلاة كما فعل معاوية بأن جعل له مقصورة خاصة به في المسجد لصلاته، يحرسها سيوف وحرّاس وقوفا أثناء صلاته. ويتحدث عن حالة البذخ في قصورهم التي ازدانت جدرانها بالفسيفساء، وأعمدتها من رخام مذهب، وما يرتدونه من أصواف، وما استحلوه لأنفسهم من رياضات للتسلية كسباقات الخيل والصيد. وبالمثل انغمس العباسيون في الترف والبذخ وأخذوا نظام مجالس الفرس في الغناء والطرب.

إلقاء الضوء على تجربة سليمان فياض الأدبية
إلقاء الضوء على تجربة سليمان فياض الأدبية

كما يكشف عن ثروات الكثير من الخلفاء، وما يدخل في باب العجب أن من عرف حياة الترف وحب الظهور صحابيون أجلاء كالزبير بن العوام، وطلحة بن عبدالله وعبدالرحمن بن عوف.

ويعدد مثالب خلافات القهر كما يسميها، بانتشار الفتن والخلافات في جميع الأمصار، وحدوث الانقسامات بين الفرق الدينيّة، كما أن معارضي الخلافات الأموية لم يكونوا بأحسن منها، فكانت لهم مطامع يطلبونها ويريدونها، وتكون مثل خلافات وراثية إمامية.

كما يسرد ما تعرض له أئمة الإسلام من اضطهاد الفرق لهم وأيضًا خلفاء القهر، كاشفًا عن حقب مأساوية سواء على مستوى الحكم الذي فقدت فيه الشورى معناها، وكذلك العدل، وأيضًا على المستوى الاقتصادي، حيث عاش هؤلاء الخلفاء وأعوانهم في حالة من البذخ والترف، في حين حرم الشعب الذين هم ولاة أمره وأئمته من حقه في بيت المال ومغانم الحرب.

بقدر ما يكشف الكتاب عن الوجه القبيح للخلافة، فإنه في الوقت ذاته يشيد بما تحمّله البعض من العلماء والأدباء، وقفوا في وجه الخلفاء المستبدين، سواء بمخالفة آرائهم أو بتوجيه النصح لهم كما فعل ابن المقفع في رسالته، وانتهى به الحال مقتولاً. إلا أن دلالة ذلك خطيرة، في الاعتداد بدور المثقف ووقوفه دائمًا إلى يسار السلطة يقوّم معوجها، حتى لو كان في ذلك هلاكه. وهو الدور المفتقد حاليًّا، فقد صار المثقف والنخبة ترسًا يدور في آلة السلطة، حتى لو كانت قامعة لمعارضيها، بل يبرّر لها فعلها، ويزيّنه، في صورة نقيضة لدور المثقف الحقيقي.

15