الأديب هو من يرسم بكتابته صورة قابلة للحركة

أغلب قصص القاصة والمترجمة أمينة الحسن تتمحور حول هواجس المرأة وصراعاتها الذاتية داخل المجتمعات المحافظة، حتى في تلك القصص التي كان بطلها رجلا.
الاثنين 2019/06/10
المرأة الكاتبة مساهمة في التغيير (لوحة للفنانة نور المصري)

تعدّ الترجمة بابا معرفيا مهما للولوج إلى دواخل الثقافات الأخرى، وتتأكد هذه القيمة عند عناية المترجم بعمله وبوعيه لطبيعة ما يشتغل عليه بعيدا عن الترجمة الحرفية التي لا تنقل إلا جسد الثقافة دون روحها. “العرب” تقف في هذا الحوار مع القاصة والمترجمة السعودية أمينة الحسن للحديث معها حول بعض القضايا الثقافية والفكرية المتعلقة بواقع الثقافة في السعودية.

بعد إصدارها القصصي الأول “سرير يتّسع” عن دار نوفا بلس في الكويت في العام 2014، قدّمت القاصة والمترجمة السعودية أمينة الحسن (مواليد الأحساء 1984) مؤخرا ترجمة رواية “سفر هارون” للقاص والروائي الأميركي جيم شيبارد عن سلسلة روايات تابعة لدار كلمات في الشارقة.

وفي غضون هذين الإصدارين نجد الحسن مهتمة بنشر العديد من المقالات والنصوص المترجمة في عدة مواقع ومدونات وصفحات مهتمة، وقد شاركت في العديد من الأمسيات والفعاليات الثقافية والأدبية، وحصلت على المركز الثالث في مسابقة رواق مثقفات وأديبات المدينة المنورة في القصة القصيرة عام 2015.

وتعكف حاليا على مجموعة مقالات ورسائل للفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل بدأت في ترجمتها مؤخرا، كما انتهت للتو من كتابة قصصية تنوي نشرها خلال هذا العام.

الترجمة والتأليف

تتمحور أغلب قصص الحسن حول هواجس المرأة وصراعاتها الذاتية داخل المجتمعات المحافظة، حتى في تلك القصص التي كان بطلها رجلا تدور في ذات الفلك الذي تؤثر أو تتأثر به المرأة. وقد لا يلمس القارئ وجود ثيمة واحدة تربط بين القصص جميعها، إلا أن حضور هواجس المرأة والقرية كان أبرز معالم قصص الحسن.

هواجس المرأة والقرية أبرز معالم قصص أمينة الحسن
هواجس المرأة والقرية أبرز معالم قصص أمينة الحسن

وعمّا يشغلها كقاصة ومترجمة تقول الحسن “بداية قد يشغلني واقع المرأة سواء في محيطي الخاص أو العام، الإنسان بصراعاته التي يواجهها في العصر الحديث، وقد أميل أحيانا إلى البحث عن عوالم خيالية وأسطورية تجعلني أكتب بشكل مختلف عن الحياة والناس”.

وعن منهجها في اختيار مشاريعها المترجمة ولماذا -تحديدا- وقع اختيارها في المشروع الأول على رواية سفر هارون. تقول القاصة “ما زلت في بداية مشواري الترجمي، ولقد اخترت العديد من المقالات الأدبية والنصوص التي أحببتها وقمت بترجمتها ونشرها. أما عن ترجمة الكتب فكانت رواية ‘سفر هارون’ أول كتاب تعرض عليّ ترجمته من قبل المحرر الأدبي أحمد العلي، وبعد قراءتي للعمل وإعجابي به وافقت على ترجمته. لكنني عموما أميل إلى ترجمة المقالات الأدبية التي تحمل في طياتها جانبا ملهما وراصدا لجوانب هامة لعمل أدبي ما، وبالإضافة إلى ترجمة الروايات، أحب أن أترجم الكتب الثقافية والفكرية المصاغة بأسلوب أدبي كالمقالات والرسائل. أجدها ممتعة للغاية”.

وعلى المستوى الشخصي ترى الحسن أن هناك مترجمين شباباً برزوا في السنوات الأخيرة وترجموا أعمالا أدبية متميزة، وتظن أن هذا الحراك -بحد ذاته حتى لو كان فرديا- فهو يعمل على بناء أساس قابل للازدهار، خاصة مع وجود دور نشر جديدة مهتمة باختيار أعمال أدبية عظيمة”.

توقفنا مع أمينة الحسن حول رأيها في إمكانية تحويل الترجمة من عمل فردي إلى عمل مؤسساتي مدعوم من قبل جهات رسمية مثل وزارة الثقافة، (أو القطاع الخاص) بحيث يكون قادرا على الدفع المادي للعمل وللمترجم.

تقول الحسن في هذا الشأن “للمؤسسات دور كبير في احتضان الترجمة تحت مظلة واحدة يمكن من خلالها تنسيق اختيار الترجمات وتقليص هدر عمل المترجمين، خاصة ترجمة الأعمال النادرة أو التخصصية من لغات عالمية مختلفة، إلا أن تلك المؤسسات قد تعيق عمل الترجمة من جهة أخرى -خاصة الترجمة الأدبية- من وجهة نظري إذا تمسكت تلك المؤسسات بضوابط ومعايير صارمة تجاوزتها الأعمال الإبداعية بشكل عام”.

وتؤكد الحسن على أن الترجمة مجال خصب للعمل ومن أهم المجالات التي تستحق الدعم من المؤسسات والحكومات. فالترجمة -حسب تجربتها- عمل شاق ومضن، والمترجمون بحاجة إلى الدعم المعنوي والعلمي، وليس المادي فحسب.

الأدب والتغيير

توضح الحسن بأن الفعل الثقافي (القصة والرواية والشعر والنقد والترجمة وغيرها) كان جزءا مؤثرا في التغيير السياسي والاجتماعي في السعودية، وبأنها لا يمكن أن تعيش في مجتمع أو بلد لا يكون واقعه جزءا منها، فالمرأة في السعودية مرّت بتحولات كثيرة وما لم تشاهده الحسن بعينيها قرأته وسمعت عنه. لهذا تحاول أن تعبّر عن هذا الواقع في ما تكتبه بشكل أو بآخر.

أمينة الحسن: العمل الإبداعي والأدبي جزء حيوي من التشكل الحضاري لأي بلد
أمينة الحسن: العمل الإبداعي والأدبي جزء حيوي من التشكل الحضاري لأي بلد

تقول “العمل الإبداعي والأدبي جزء حيوي من التشكل الحضاري لأي بلد، الأدب يفكك الأفكار وسلوكيات الناس، وتركيبة المجتمعات، يضخ وعيا جديدا في أذهان القّراء، فلا بد أن يساهم في تغيير مجرى حياتهم. الإنسان حين يكتب يعبّر عن كل ما يريده، وما لا يريده وما شهده وما يتخيله ويتمناه، هو يحاول أن يرسم صورة قابلة للمشي على أرض الواقع. وحين نعود إلى روايات سعودية كتبت في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي أو قبلها بقليل سنجد أن تلك الروايات إما أنها كتبت لرصد تحولات المجتمع والكتابة عن مظاهر التغيير فيه وأثر ذلك على الناس، وإما الكتابة عن المستقبل الذي سيصل إليه المجتمع مع وجود عوامل تطور. ولذا أجد أن الكتابة الإبداعية بكل أنواعها تصب في نهر دفع موجة المجتمعات ناحية التغيير والتخطي”.

وتضيف “رغم أن كل تلك التحولات التي تشهدها السعودية مؤخرا يسّرت أمورا كثيرة في حياة المرأة، إلا أنها لا يمكن أن تغير البنية التحتية للمجتمع في غمضة عين، فلا بد من المرور بمرحلة الصراع وأزمة التغيير، ومحاولة التأقلم مع مرحلة جديدة كليا على المجتمع، ونحن في السعودية عدة مجتمعات في مجتمع واحد كبير، فما زال أمامنا
بعض الوقت الذي أتمنى أن يكون قصيرا”.

وفي هذا السياق تذهب أمينة الحسن إلى أن آثار الصحوة ما زالت باقية، وتظهر تجلياتها بشكل واضح في وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها لا ترغب في القضاء على أي توجه وإنما القبول بالآخر أيا كان توجهه. تقول “في الحقيقة لا أجد أننا بحاجة إلى انقراض تيار متشدد أو غيره، لأن ما يحتاجه مجتمعنا فعليا هو القبول بفكرة التعددية والاختلاف والتعايش، وليس محاولة إلغاء طرف لنهوض طرف آخر. لكل طرف الحق في العيش كما يشاء دون فرض رأي لأحدهما على الآخر. وأجد أن المواقف الرسمية من الحكومة الرشيدة قد سهلت البدء في رفع وعي الناس داخل المجتمع لقبول الآخر المختلف.

15